بعد مضيّ ثلاثة أسابيع على اقتحام مبنى الـ»كابيتول» في العاصمة الأميركية واشنطن، وتلاشي الغضبة التي رافقت الحادثة، بدأت إجراءات محاكمة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، تفقد زخمها، على رغم العراضة الديموقراطية المستمرّة منذ السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري. مرّ يوم التنصيب بهدوء بفضل الحراسة المشدّدة في العاصمة، ووصل جو بايدن آمناً إلى البيت الأبيض، فيما يبدو أن الحزب الجمهوري ركَن، أخيراً، إلى قواعده السابقة خلف ترامب؛ فالأخير، وإن كان مستاءً من سلوك الرئيس السابق، لن يُقدِّم، على أيّ حال، هديةً مجانيّة لحزب الرئيس الذي يسيطر على مجلسَي الكونغرس، والذي لا يتردّد في ترداد فكرةٍ مفادها بأن إدانة ترامب بـ»التحريض على التمرُّد» وعزله لمنعه من الترشُّح مرّة جديدة، ستصوّب الاختلالات التي يراها ظرفيّة. ويخشى الحزب الجمهوري، في حال تبنّي رؤية الديموقراطيين، حدوث انشقاقات في داخله تُقوّض تماسكه، وتَحدُّ من شعبيّته في أوساط اليمين المحافظ الذي يُصدِّق رواية تزوير الانتخابات لاستبعاد ترامب. في هذا الإطار، يرى مايكل ورين، في مقالةٍ له على موقع «سي إن إن»، أن حرباً باردة تدور رحاها داخل الحزب الأحمر الذي بدأ أعضاؤه في استكشاف كيفية انسجام ترامب وإرثه مع مستقبل الحزب. فبعض قياداته في الكونغرس أعربوا عن رغبتهم في تجاوز هذه المرحلة، بينما لا يزال طيف واسع من هؤلاء يدين بالولاء للرئيس السابق، مخافَة تسلّطه في الانتخابات التمهيدية للحزب. النتيجة، يقول ورين، تتجلّى في صراع حزبٍ مع نفسه حول مَن سيحدّد مساره إلى الأمام، والأهمّ من ذلك، مَن الذي يجب إبعاده عن مقاليد السلطة في هذا الحزب.

في ظلّ الترقُّب السائد والمخاطر الأمنية التي لا تزال تلقي بثقلها على البلاد، أصبح ترامب، رسميّاً، أوّل رئيس أميركي سابق يواجه محاكمة عزلٍ بعد انتهاء ولايته، بعدما تسلّم مجلس الشيوخ، أول من أمس، بند إدانته بـ»التحريض على التمرُّد»، إثر إحالته من قِبَل مجلس النواب الذي أقرّه في الـ 13 من الشهر الجاري. ومع استعداد كِلا الطرفين لمحاكمة يُتوقّع أن تكون سريعة نسبياً، عَرض كبار المسؤولين الجمهوريين حججاً سياسية ودستورية تُشكّك في قدرة الديموقراطيين، الذين يسيطرون على 50 مقعداً في مجلس الشيوخ المكوّن من 100، على تأمين 17 صوتاً جمهورياً مطلوبين للإدانة (يحتاج عزل ترامب إلى تصويت ثلثَي أعضاء المجلس). غير أن المحاكمة لن تبدأ قبل التاسع من شباط/ فبراير المقبل بعد اتفاق الحزبَين على أن «الأيام الإضافية ستسمح بتوفير مزيد من الأدلة حول أعمال الشغب» التي قام بها مناصرو ترامب، بينما يأمل الجمهوريون صياغة دفاع موحّد عن رئيسهم.

يشكّك بايدن في أن يتمكّن مجلس الشيوخ من تأمين الأصوات اللازمة لعزل ترامب


وفي ظلّ حسم الجمهوريين أمرهم، يُتوقَّع أن يتكرّر سيناريو المحاكمة الأولى، كون الرئيس السابق لا يزال يحظى بشعبية كبيرة لدى ناخبيه وعددهم 75 مليوناً، وبدعم أعضاء أساسيين في مجلس الشيوخ. وإن كان زعيم الجمهوريين في المجلس، ميتش ماكونيل، لم يستبعد التصويت لمصلحة إدانة الرئيس السابق، إلّا أنه لا يعتزم الضغط على أقرانه. في هذا الإطار، قال السيناتور الجمهوري البارز وعضو لجنة الاستخبارات، ماركو روبيو، في حديث إلى شبكة «فوكس نيوز»، إنه يعتقد «أنها محاكمة غبيّة وستأتي بنتائج عكسية. لدينا حالياً نيران مشتعلة في البلاد، والأمر أشبه بصبّ الزيت على النار». لكنه اعترف بأن ترامب الذي حضّ الآلاف من أنصاره على التوجّه إلى مبنى الكونغرس للاحتجاج على المصادقة على فوز بايدن «يتحمّل بعض المسؤولية عمّا حدث». ولفت روبيو إلى الآثار السيّئة المترتّبة عن «إثارة هذا الأمر مرّة أخرى» على البلاد. من جهتهم، أشار جمهوريون آخرون إلى أن مجلس الشيوخ لا يملك صلاحية محاكمة مواطن عادي كما هي حال ترامب راهناً. وقال السيناتور مايك راوندز، لبرنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي»، إن الدستور لا يسمح بمحاكمة رئيس سابق، مضيفاً إن «هناك أشياء أخرى نفضّل العمل عليها»، بما في ذلك المصادقة على المزيد من مرشّحي بايدن للحكومة. لكن السيناتور ميت رومني، المرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2012، قال، لشبكة «سي إن إن»، إن «الرأي القانوني المرجّح هو أن محاكمة الرئيس بعد ترك منصبه أمر دستوري. أعتقد أن هذه هي الحال». ولمّح رومني ــــ السيناتور الجمهوري الوحيد الذي صوّت لإدانة ترامب في المحاكمة الأولى لعزله ــــ، إلى أنه ربّما يميل إلى تكرار خطوته. وأضاف إنه يعتقد أن «ما يتمّ زعمه وما رأيناه هو تحريض على العصيان، وهو جريمة تستوجب المحاكمة. وإلّا فما هو ذلك؟». أمّا بايدن الذي آثر النأي بنفسه في العلن واتخاذ نهج عدم التدخّل وترك الأمر لمجلس الشيوخ ليقرّر، فقال لشبكة «سي إن إن» إنه لا يعتقد بأنه سيكون هناك أصوات كافية لإدانة سلفه ترامب، مبدياً تشكيكه إزاء تأمين أصوات 17 سيناتوراً جمهورياً في مجلس الشيوخ.