تكرّرت التصريحات ذاتها على لسان الرئيس التركي ووزيرَي الخارجية والدفاع في شأن ضرورة فتح صفحة بيضاء مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. تصريحاتٌ تعكس رغبة أنقرة في الانضمام إلى التكتُّل، جنباً إلى جنب وضع العلاقات مع الأميركيين على السكّة الصحيحة. على هذه الخلفيّة، استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في الـ 12 من الشهر الحالي، سفراء دول الاتحاد، وقال، في كلمةٍ ألقاها أمامهم، «نحن نعيش، منذ ألف عام، في الجغرافيا نفسها، ونتغذّى من حوض مدنية واحد. وكما ليس ممكناً قراءة التاريخ التركي من دون أوروبا، كذلك ليس ممكناً فهم تاريخ أوروبا من دون تركيا». جاء ذلك في موازاة إعلان وزارتَي الخارجية التركية واليونانية الاستعداد لبدء مفاوضات «استكشافية» بين البلدين، حدّدتا موعد انعقادها في الـ 25 من كانون الثاني/ يناير في مدينة اسطنبول، بعد انقطاع اللقاءات بينهما منذ عام 2015. وقد صرّح رئيس الحكومة اليونانية، كيرياكوس ميتسوتاكيس، بأن جدول الأعمال يتضمّن موضوعاً واحداً: «تحديد مجالات الصلاحيات لكل بلد في إيجه وشرق المتوسط». وإذ يعتبر الكاتب في صحيفة «ميللييت»، سامي كوهين، أن اللقاء خطوة إيجابية، فهو يحذّر من أنه يجب عدم انتظار نتائج سريعة وذات معنى من هذه المباحثات، لأن الموضوعات الخلافية كثيرة ومعقّدة، مثل الجرف القاري، وتسليح الجزر، وحدود المجالات البحرية والجوية لكلّ بلد. كذلك، يرى كوهين أن الشروط الجديدة مختلفة بعدما بات لتركيا استراتيجية جديدة عنوانها «الوطن الأزرق»، ولها أيضاً سفن تنقيب ومسح في شرق المتوسط.

وفي ما خصّ العلاقات مع فرنسا، فإن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قال: «لقد كنت على اتفاق تام مع زميلي الفرنسي من أجل وضع خريطة طريق لتطبيع العلاقات بين بلدينا». لكن الإشارة الأهم التي توقّف عندها الأتراك هي رسالة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى إردوغان، والتي يُقال إنه خطّها بيده. وهذه وحدها، إشارة إلى رغبة فرنسية كبيرة في تطبيع العلاقات مع تركيا، بعد فترة من التوتّر شابت علاقات إردوغان وماكرون على المستوى الشخصي. ولا يهمل المراقبون إشارات، ولو صغيرة، إلى بدء انفتاح بين أنقرة وعواصم أخرى، إذ رفعت تركيا الفيتو عن تعيين مصر ملحقاً عسكرياً لها في «حلف شمال الأطلسي»، فيما أزالت القاهرة اعتراضها على فقرة خاصة بقبرص وتراقيا الغربية (في اليونان) في بيان لـ»منظمة التعاون الإسلامي». لكن الأهم في رسائل الانفتاح التركية الأخيرة، هي تلك المرتبطة بالعلاقات مع الغرب. فمنذ أكثر من سنة، وتركيا تمارس سياسة الاستعلاء في علاقاتها مع أوروبا والغرب، وتتحدّى دول شرق المتوسط ومعها العديد من الدول العربية. لكن إردوغان يدرك أن الضغوط المؤثّرة عليه، تأتي من الغرب لا من الشرق. لذلك، أطلق حملة انفتاح على أوروبا، مبدياً استعداده لمناقشة كل المسائل الخلافية.
يقول محمد علي غولر في صحيفة «جمهورييت»، إن العقوبات التي فرضتها واشنطن وبروكسل على أنقرة، والمشهد الاقتصادي المتردّي، وضغوط الانتخابات المبكرة، ومجيء جو بايدن إلى البيت الأبيض، واجتماع «حلف شمال الأطلسي» في 17 شباط/ فبراير، وقمّة الاتحاد الأوروبي في 25 آذار/ مارس، تحاصر الرئيس التركي، ما يدفعه إلى استباق كل هذه المواعيد، ومحاولة كسر حلقة الضغوط الغربية على بلاده. ويفصل غولر بين إردوغان الإيديولوجي وإردوغان السياسي، فيقول إنه، إيديولوجياً، ليس غربي الهوى، إذ وصف الاتحاد الأوروبي، أكثر من مرّة، بأنه «نادٍ صليبي». لكنه في السياسة، أوروبي إلى درجة أنه وقّع دستور الاتحاد تحت تمثالٍ للبابا في روما، وهو أميركي إلى درجة أنه كان رئيساً شريكاً للولايات المتحدة في قيادة مشروع الشرق الأوسط الكبير. لقد أسّس إردوغان سلطته، يقول غولر، بالتودّد إلى بروكسل، وقام بتصفية إرث أتاتورك بمساعدتها. ومن ثم تغيّرت الظروف، وأصبح التكتُّل، بنظر الرئيس، نادٍ مسيحي. أما اليوم، وبعد عدّة سنوات، يشعر إردوغان بالحاجة إلى الاتحاد الأوروبي، ويعلن استعداده لفتح صفحة جديدة بيضاء، على اعتبار أن «مستقبلنا في أوروبا»، وكل ذلك من أجل أن يكسب الوقت ويديم بقاءه في السلطة. كذلك، يشير الكاتب إلى ما قاله الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، عن أن «تاريخ 150 عاماً من التحديث في تركيا قد كُتب بأقلام الآخرين. والآن يجب كتابته بأقلامنا». وهنا، يحاول قالين أن يمحو 150 عاماً من محاولات التحديث في تركيا، من إعداد أول دستور عام 1876، إلى ثورة مصطفى كمال أتاتورك. ويقول غولر إن إردوغان قد غيّر موقفه من الاتحاد الأوروبي أربع مرّات في غضون عشرين عاماً، وكل ذلك من أجل أن يستمر في السلطة أطول فترة ممكنة، منهياً بالقول إنه ما لم تتّفق أنقرة مع دمشق، وما لم تطبّع علاقاتها مع القاهرة، فإنها لن تحصل، من فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، على أيّ مكاسب.
ويرى الكاتب برهان الدين دوران، المقرّب جداً من إردوغان، في صحيفة «صباح»، أن تحسّن العلاقات التركية – الأميركية مرهون بما سيفعله بايدن. فإما أن يضع مسألة صواريخ «إس-400» جانباً، ويفتح صفحة جديدة في العلاقات مع تركيا يكون التعاون فيها شاملاً من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط، وصولاً إلى القوقاز، حيث تصبح تركيا عنصراً موازناً للنفوذ الروسي ومساهماً في حفظ الأمن الأوروبي، أو أن تتبع إدارة بايدن، بضغط من اللوبي المعادي لتركيا، سياسات لا تخدم مصلحة أميركا، ولا سيما في شرق المتوسط وسوريا. وينصح دوران واشنطن بعدم خسارة حليف ديموقراطي مثل تركيا، لأن في فتح صفحة جديدة مع أنقرة مصلحة أكيدة لواشنطن و»الأطلسي» وبروكسل.
وفي سياق متّصل بالانفتاح التركي في العام الجديد، فإن الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في موسكو بين رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، ورئيس آذربيجان إلهام علييف، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوبل بارتياح في أنقرة. فمثل هذه التهدئة، تفتح الباب على خطوات نوعية في العلاقات التركية مع أرمينيا، دبلوماسياً واقتصادياً. فهل تنجح رغبة تركيا في فتح صفحات جديدة بيضاء مع الغرب ودول أخرى، ويكون عام 2021 عام دبلوماسية الانفتاح؟