لن يُعرف دونالد ترامب بأنه «الرئيس المتهوّر» فقط، إذ إن صفة أخرى ستلاحقه مدى حياته، وهي أنه «الرئيس الذي عَزله مجلس النواب مرّتين»، في انتظار أن يبتّ مجلس الشيوخ هذا الأمر، وربّما منعه من تبوّء منصب رسمي أو الترشّح للانتخابات الرئاسية عام 2024. وقبل أسبوع من انتهاء ولايته، عُزل ترامب، أمس، للمرّة الثانية في مجلس النوّاب، وهذه المرّة بتهمة تشجيع الهجوم على مبنى «الكابيتول»، الذي أوقع خمسة قتلى وأثار صدمة كبرى في أميركا. وعلى رغم أهمية الخطوة التاريخية التي دفع الديموقراطيون في اتجاهها، إلّا أن حسمها يبقى مؤجّلاً، في ظلّ عدم نيّة مجلس الشيوخ الاجتماع قبل يوم الثلاثاء المقبل.

فقد أبلغ مساعدو زعيم الأغلبية في «الشيوخ» ميتش ماكونيل، زعيم الأقلية شارلز شومر، أن الجمهوريين لن يوافقوا على انعقاد المجلس يوم الجمعة. ووفقاً لما نقلته صحيفة «ذا واشنطن بوست» عن مسؤول مطّلع على المداولات، فقد وزّع ماكونيل مذكّرة على الجمهوريين في شأن المحاكمة المحتملة لترامب في مجلس الشيوخ، أشار فيها إلى أن المجلس لن يجتمع من أجل القيام بأعمال مهمّة قبل يوم الثلاثاء. ويعني ذلك أن التاريخ الأقرب للبدء بإجراءات محاكمة ترامب وإدانته في «الشيوخ»، سيكون في اليوم الذي يسبق تنصيب الرئيس المنتخَب جو بايدن، أي إن هذه الإجراءات قد تستمرّ إلى ما بعد تنصيب الأخير، وربّما إلى أن يتسلم مجلس الشيوخ الجديد مهامه.
إلّا أنّ ما يثير المزيد من القلق بالنسبة إلى الرئيس الذي تشارف ولايته على الانتهاء، وإلى مستقبله السياسي، هو إعلان ماكونيل، الذي يتمتّع بنفوذ كبير في الحزب، لمقرّبين منه، أنه ينظر بقدر من الرضى إلى هذا الاتهام، الذي يرى أنه يستند إلى أسس، وأنه قد يساعد الحزب الجمهوري على طيّ صفحة ترامب نهائياً. وقد يكون ماكونيل، السياسي المحنّك، المفتاح لإجراء تاريخي كهذا؛ ذلك أن تصريحاً علنياً واحداً منه يمكن أن يشجّع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين على إدانة الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. وبالفعل، جاء هذا التصريح، أمس، عندما قال ماكونيل إنه لا يستبعد أن يصوّت لصالح إدانة ترامب، في حال جرت محاكمة الأخير أمام المجلس المذكور. وكتب في رسالة الى زملائه الجمهوريين: «لم أتّخذ قراري النهائي بالنسبة إلى كيفية التصويت، أعتزم الاستماع إلى الحجج القانونية حين يتمّ تقديمها في مجلس الشيوخ».
وبموجب الدستور، يعود لـ»الشيوخ» لاحقاً أن يحاكم الرئيس، ولا بدّ من توافر غالبية الثلثين لإدانته وعزله.
وفي انتظار ما ستتكشّف عنه الأيام المقبلة، حاول ترامب، الذي تزداد عزلته يوماً بعد يوم حتى داخل معسكره الجمهوري، التقليل من شأن الإجراء الذي يستهدفه، واصفاً إيّاه بأنه مجرّد مناورة من الديموقراطيين، وهو «استمرار لأكبر حملة مطاردة في التاريخ». ومن ألامو في ولاية تكساس، سعى الرئيس الذي تشارف ولايته على الانتهاء، أول من أمس، إلى اعتماد لهجة أقلّ عدوانية مقارنة مع الأسبوع الماضي، متحدّثاً عن زمن «السلم والهدوء». لكنه ما زال يرفض بعناد الاعتراف بأيّ مسؤولية في الهجوم الذي طال مبنى «الكابيتول»، معتبراً أن خطابه كان «مناسباً تماماً». إلّا أنه عاد ودعا، أمس، «جميع الأميركيين» إلى الهدوء. وقال في بيان مقتضب أصدره بالتزامن مع جلسة مجلس النواب: «في ضوء تقارير عن مزيد من التظاهرات، أطالبكم بعدم اللجوء إلى العنف وعدم انتهاك القانون وعدم (ممارسة) التخريب من أيّ نوع. ليس هذا ما نمثّله وليس هذا ما تمثّله أميركا. أدعو جميع الأميركيين إلى المساعدة في تهدئة التوترات».