في وقتٍ حوّل فيه أنصار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبنى الكونغرس ومحيطه، أول من أمس، إلى مشهدٍ من الفوضى غير المعهودة، وصل الرجل الذي يقود إنفاذ العقوبات الاقتصادية على أعداء الولايات المتحدة إلى القدس المحتلّة مباشرةً من الخرطوم، في زيارة بدت وداعيّة. زيارةُ وزير الخزانة الأميركي، ستيفين منوتشين، لا تبدو مفاجئة، فقد خُطط لها مسبقاً بهدف استكمال إجراءات شطب السودان من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وبحث سبل تمويله. ومع ذلك، فهي أتت في توقيت حسّاس تعيشه أميركا التي تشهد واحدة من أعنف عمليات الانتقال للسلطة.

وفي زيارة الذراع التنفيذية لتطبيق العقوبات الأميركية على أطراف محور المقاومة، التقى منوتشين في القدس المحتلّة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بهدف إنجاز دخول السودان نادي المطبّعين؛ وتتشابه هذه الزيارة في حيثياتها مع أخرى أجراها الوزير نفسه في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي برفقة وزير المالية الإماراتي، حمدان بن راشد، في حدث وصفه نتنياهو، وقتها، بأنه «تاريخي بامتياز، لكونه شهد أوّل زيارة رسميّة لمسؤول إماراتي إلى إسرائيل»، جاءت بعد توقيع أبو ظبي والمنامة «اتفاقات أبراهام». وكحال الدولتَين الخليجيتَين، وافقت الخرطوم على الانضمام إلى القافلة في مقابل إزالة اسمها من القائمة الأميركية لـ«الدول الراعية للإرهاب». وبدا اللقاء، من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية، أقرب إلى كونه وداعيّاً، إذ عبّر هذا الأخير عن شكره للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قائلاً: «أشكركم جميعاً في الإدارة الأميركية على كل ما فعلتموه ولا تزالون تفعلونه في سبيل السلام». وكرّر كلامه عن انضمام دول إسلامية وعربية أخرى إلى قافلة التطبيع، معتبراً أن «إدارة ترامب أجرت تغييراً حقيقياً وانفراجات كثيرة من خلال مساعي ضمّ الإمارات، والبحرين، والمغرب والسودان إلى دائرة السلام... لا يساورني الشكّ في أن العديد من الدول العربية والإسلامية الإضافية ستحذو حذوها».

شدّد نتنياهو على أهميّة سياسة «الضغوط القصوى» على إيران بالنسبة إلى إسرائيل


ولعلّ الأمر البارز الوحيد في هذه الزيارة هو تشديد نتنياهو على أهميّة سياسة «الضغوط القصوى» على إيران. وهي سياسة شهدت أعتى مراحلها تحت قيادة منوتشين، حيث لعبت وزارة الخزانة الأميركية دوراً مهمّاً في فرض عقوبات على طهران ودمشق وبيروت، وبقيّة أطراف محور المقاومة. واستناداً إلى هذا الدور، أرتأى نتنياهو توجيه خطابه إلى الإدارة الأميركية المقبلة، برئاسة جو بايدن، داعياً، في هذا الإطار، إلى ضرورة استمرار «هذه الخطة المهمّة من أجل الحؤول دون مواصلة إيران حملة العدوان والإرهاب التي تشنّها في أنحاء هذه المنطقة، ومن أجل منعها من امتلاك ترسانة نووية». ويعكس كلام نتنياهو هذا مخاوفه إزاء احتمال تأثير مسؤولين سابقين في إدارة باراك أوباما، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس، على سياسة الرئيس الجديد في شأن إيران، بحسب ما كشف موقع «واللا» العبري. فالعودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، ستسرّع، برأي نتنياهو، «امتلاك دول أخرى في الشرق الأوسط لسلاح نووي سيشكّل كابوساً وخطأً، وهو أمر لا يجوز حدوثه». وعلى رغم الدور المهمّ للوزير الأميركي في إطار إنزال العقوبات على أعداء إسرائيل، فإنه سيرحل عاجلاً مع رحيل إدارة ترامب خلال أسبوعين، والتي لولاها لربّما كانت الولايات المتحدة لا تزال طرفاً في الاتفاق النووي.
أمّا بالنسبة إلى السودان، فقد بحث وزير الخزانة الأميركي مع مسؤولين حكوميين سودانيين المساعدات الاقتصادية الأميركية المستقبلية إثر شطب اسمه من القائمة الأميركية، في مقابل موافقته على المضيّ قدماً في تطبيع العلاقات مع إسرائيل والانضمام إلى الحلف الخليجي - الإسرائيلي. وبحسب بيان وزارة المالية السودانية، فإن الخرطوم وواشنطن وقّعتا اتفاقاً سيوفّر للأولى تسهيلات تمويلية من "البنك الدولي" تزيد على مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ ستحصل عليه الخرطوم للمرة الأولى منذ 27 عاماً.