لاحظ مقرّبون من رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الذي ينتمي دينياً إلى حركة "مولو ونغيل" MuluWongel (ينتمي إليها 4.5 ملايين إثيوبي وتتبنّى التفسير الحرفي والكامل للكتاب المقدّس في جميع أمور الحياة Full Gospel)، افتقاره إلى المعرفة السياسية والتاريخية الضرورية. كما لاحظوا أن خطاباته ومواقفه يعكسان تصوّرات دينية ونمطية عن التاريخ، لا معرفة سليمة ومتفهّمة. انتماؤه الديني إلى كنيسة البنتيكوستال (الخمسينية) ليس محض شأن شخصي منفصل عن مواقفه السياسية، بل العكس صحيح، إذ يستغل عقيدته لتعزيز شرعيته. ويتّفق هؤلاء، كما نقل عنهم المتخصّص في شؤون إثيوبيا، رينيه ليفور، على تعمّده صك "مفاهيم أخلاقية" ملفّقة كأداة مقنعة للوصول إلى غايات سياسية، الأمر الذي يتّضح بجلاء في مفهوم "مدمير" Medemer الذي يرى بمقتضاه أن إثيوبيا تحتاج أولاً، وقبل أيّ شيء، إلى "ثورة روحانية" قوامها "الحب والتسامح والمصالحة"، وتغيير "ذهنيتها". وهو لطالما أكّد لمقرّبيه أن تلك الثورة لن تحقّق السلم والتناغم فحسب، بل الازدهار أيضاً.

لكن ممارسته الواقعية في السياسة تقوم على استمالة المؤيدين عبر المِنح والمناصب، أو تسليع السياسة، بحسب ميريرا جودينا، رئيس "حزب المؤتمر الفدرالي للأورومو" المعارض، وإقامة سوق سياسية تجري فيها مبادلة الولاء السياسي أو بالمدفوعات، على حدّ تعبير المتخصص البارز أليكس دي وال. حتى الآن، لا تقوم سياسة آبي أحمد على أبنية راسخة أو سابقة تاريخية أو مؤسسات دولة، بل على فكرة ردّدها مراراً: "لن يوقفنا أحد، لأن الحقيقة معنا... ولأننا نعتصم بالحقيقة، فإن ربّ إثيوبيا سيساعدنا". ويؤكد مقرّبون منه اقتناعه التام بأن الله اختاره لأنه الوحيد الذي يمكنه إنقاذ إثيوبيا، ولأن إرادته تنطق "بوحي مقدّس"، فإنه سيفوز في النهاية، لينهي بذلك عهداً كاملاً من مرحلة الثورة الإثيوبية (منذ عام 1974) بتبنّي أصولية دينية بأقنعة متعدّدة.

صعود «الإمبراطورية» الإثيوبية
قفزاً فوق هذه الخلاصات الموحية بصعود "إمبراطور" إثيوبي تقليدي، سبق أن وصفه مواطنو دول القرن الأفريقي وجوار إثيوبيا "برسول السلام" ووثقوا به، بادرت الحكومة الإثيوبية، نهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلى إعلان إجراء الانتخابات النيابية والولائية في البلاد بحلول 5 حزيران/ يونيو المقبل، على أن يسجِّل الناخبون أسماءهم طوال شهر آذار/ مارس، من دون توضيح لمسألة محورية، وهي إجراء إحصاء سكاني كشرط مسبق لإجراء الانتخابات من عدمه، أو وضع خريطة طريق واضحة لآليات الانتخاب وضمان توزيع عادل للسلطات والفكاك من مسار انتخابات 2015 التشريعية والولائية التي عدّتها المعارضة (وطائفة واسعة من المراقبين الدوليين) مهزلة "ديموقراطية" مكتملة الأركان. وتضع هذه الخطوة، مع استبعاد إقليم تيغراي منها، مسألة التحوّل الديموقراطي في إثيوبيا رهينة لنيّات آبي أحمد التلاعب بعامل الوقت والرهان على تغيير القواعد الحاكمة للسياسة المحلية قسراً، في ظلّ عدم تمتّع حزبه، "الازدهار"، بالشعبية الضرورية لتأمين فوزه بغالبية مريحة.

تشابكات تمدد إثيوبيا الإقليمي
ثمة تحليل استشرافي وحيد لنمو سلطة آبي أحمد داخلياً وتمدّدها إقليمياً، ولا سيما بعد الكشف عن وجه استبدادي وجنوح مفرط إلى العنف بحقّ المدنيين في إقليمَي تيغراي وأورومياوبني شنقول-قمز في توقيت متزامن: مزيد من الهيمنة الإثيوبية التقليدية على المسارات السياسية والاقتصادية في دول القرن الأفريقي الأخرى، وهي: إريتريا وجيبوتي والصومال.

تكشف الأدوار الإثيوبية المتعدّدة في دول الجوار هيمنة متصاعدة في الفترة المقبلة


إريتريا
لا يمكن اختزال علاقات نظام آبي أحمد الوطيدة مع نظام الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، في التعاون العسكري واللوجستي غير المسبوق خلال أزمة تيغراي الأخيرة، والذي تشير تقارير سودانية عديدة إلى إرهاصات تكراره في جبهة إثيوبية - سودانية. لكن، يبدو أن انخراط أفورقي في الأزمة على حساب تعميق أزمة بلاده الاقتصادية (تبلغ ديونها الخارجية 64.4% من ناتجها المحلي الإجمالي، بحسب تقديرات 2019، والاحتياطي الدولي الإجمالي لا يغطي سوى واردات 3.1 أشهر فقط، ما يعد أقلّ من مستوى ضمان مواجهة أيّ صدمات في الأسواق الخارجية)، كان مدفوعاً بالاتساق الإريتري مع الترتيبات الإثيوبية الجارية للإقليم في توقيت "مثالي" لجهة انتقال الإدارة الأميركية الحالي، ومساعيه "الشخصية" لتصفية جبهة التحرير التيغرانية، وضرب المعارضة الإريترية وعناصرها في إقليم تيغراي في مقتل، ولا سيما مع توثيق الأمم المتحدة لأحداث قتل جماعي للاجئين إريتريين وإعادتهم قسراً إلى بلادهم، وخاصة في مدينة أدي كوالا قرب الحدود مع إثيوبيا.
تدفع أسمرا بقوّة في اتجاه الاستفادة من تحوّلات المنطقة، والرهان على القيادة الإثيوبية التي تحظى بدعم إقليمي ودولي معقّد، بعد رفع عقوبات الأمم المتحدة عنها، ومخرجات اتفاق السلام والصداقة مع إثيوبيا (أيلول/ سبتمبر 2019)، ووقف العداءات مع جيبوتي، وإعادة انخراط إريتريا في العمل المشترك مع العديد من المنظمات الدولية التي ستدعم العديد من قطاعات الاقتصاد الإريتري من البوابة الإثيوبية. كما تتوقع أسمرا تعاظم دورها الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بالتنسيق مع إثيوبيا، أخذاً في الاعتبار التقارير غير المؤكدة، والمتضاربة أحياناً، عن احتمال نشر الإمارات لمسيّرات في قاعدتها في مدينة عصب الإريترية لمساعدة قوات الحكومة الفدرالية الإثيوبية في "حرب تيغراي"؛ وما يعنيه ذلك من مراكمة دور إريتري متزايد في المنطقة، شاملاً دوراً اقتصادياً عبر تطبيق مخرجات اتفاق السلام مع إثيوبيا وتدشين عدد من مشروعات البنية الأساسية المشتركة باستثمارات إماراتية وصينية في الأساس.

جيبوتي
منذ اللحظات الأولى، اتّخذ الرئيس الجيبوتي، عمر جيله، موقفاً داعماً لعملية أديس أبابا العسكرية في تيغراي، وكان من أعلى الأصوات الداعمة لسياسات آبي أحمد "لإعادة فرض النظام والقانون" في الإقليم؛ وأكد، في حديث مهمّ إلى جين أفريك نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، دعمه لهذه الحملة، وضرورة أن يعاقِب آبي أحمد من يسعون إلى الانفصال عن إثيوبيا وتركيع حكومتها المركزية. وأوضحت رؤية عمر جيله تلك عدة مسائل، أولاها الترابط العضوي مع نظام آبي أحمد، ليتجاوز التنسيق المسائل الاقتصادية والمشروعات المشتركة بتمويل صيني أو دولي، إلى التمترس سياسياً مع نظام تتصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية له. وفي المقابل، ينظر جيله إلى إثيوبيا كحليف إقليمي قوي يمكّنه من مواجهة المعارضة بسهولة بالغة، ما يعزّز ثقته المفرطة في رؤية الدولة والنظام لأيّ معارضة، كتهديد سياسي يجب بتره أو قمعه، وتغليب مسألة الحفاظ على استقرار البلاد وأمنها كمرادف لبقاء النظام نفسه.
وترى جيبوتي نفسها الشريك الأمثل لإثيوبيا في شتى القطاعات، سواء التجارة أم استغلال الموانئ (اقتصادياً وربّما عسكرياً)، ومشروعات البنية الأساسية الأخرى ذات الصلة، منها محطة بترول "دامرجوج "داخل حي الأعمال في العاصمة، والطريق الذي يربط ميناء تاجوراء بشمال إثيوبيا، والذي سينافس بقوّة أهمية ميناء عصب الإريتري بالنسبة إلى إثيوبيا، ولا سيما أن ربطه بخط سكة حديد يتطلّب تكاليف مرتفعة للغاية وإعادة تأهيل وأعمال تشييد وتحديث معقدة للغاية، في ضوء طبيعة المرتفعات المحيطة بالميناء، بحسب رؤية جيله نفسه.
وتكشف هذه الارتباطات القوية عن تمكّن نظام جيله من دعم شبكة تحالفاته الخارجية وتعميق مصالح الأطراف الإقليميين (ولا سيما إثيوبيا والسعودية) والدوليين في استقرار نظامه وعدم حدوث تغييرات سياسية مباغتة، وقدرته على تجاوز اختبار الانتخابات الرئاسية المقبلة في جيبوتي، ربيع العام الجاري.

الصومال
أكّدت أزمة إقليم تيغراي وتداعياتها موقع حكومة الصومال الفدرالية في دائرة نفوذ أديس أبابا، كما تَجسّد ذلك في مبادرة الأخيرة إلى انتقاد بعض مواقف مقديشو الإقليمية، كما حصل في حالة تأييدها قرار جامعة الدول العربية الداعم لمصر، ثم سحبها التأييد بضغط إثيوبي علني. وتكرر الموقف بشكل مثير للغاية، منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، بإقالة وزير الخارجية الصومالي، أحمد عيسى عوض، إثر تغريدة على موقع وزارة الخارجية تدعو إلى تسوية سلمية والتفاوض لحلّ الأزمة، واحتجاج أديس أبابا بشدّة على التغريدة. وهو ما قاد إلى إقالة عوض وتعمُّد حكومة محمد حسين روبلي إهانته بعرض منصب سفير عليه، الأمر الذي رفضه الوزير السابق واعتزل على إثره العمل الدبلوماسي.
ويمكن تفهّم هذه الهيمنة في ضوء لعب الجيش الإثيوبي، الأكثر فعالية في منطقة القرن الأفريقي، دوراً كبيراً في قوّة حفظ السلام في الصومال، وإرسال قوات بشكل ثنائي بالاتفاق مع الحكومة الصومالية. ويتوقع أن يقود سحب القوات الإثيوبية من الصومال إلى تحجيم فعالية حربه ضد جماعة "الشباب"، ولا سيما في إقليم جيدو حيث كانت تتمركز غالبية القوّات الإثيوبية؛ بينما يستعد الصومال لخوض انتخابات برلمانية، أرجئت مرّات عديدة على خلفية الترتيبات الأمنية واللوجستية، وآخرها قرار مفوضية الانتخابات في 29 كانون الأول/ ديسمبر في الموعد الجديد 7-14 كانون الثاني/ يناير 2021.

تكريس السلطوية؟
تكشف الأدوار الإثيوبية المتعدّدة في دول الجوار هيمنة متصاعدة في الفترة المقبلة، حيث تشهد جيبوتي والصومال استحقاقات انتخابية في النصف الأول من العام الجاري، بينما يعزّز التعاون بين آبي أحمد وأفورقي إحكام الأخير قبضته على السلطة في أسمرا، في ظلّ قبول إقليمي ودولي لافت، أو على الأقل تراجع الانتقادات الأوروبية والأميركية لانتهاكات نظامه وتضييقه على المعارضة الإريترية في الداخل، وملاحقتها، أخيراً، خارج الحدود.
ويرجَّح استمرار الدفع بقوّة في هذا المسار في حالتَي جيبوتي وإريتريا، بينما تظلّ للصومال احتمالاته المغايرة ترقّباً لنتائج الانتخابات النيابية والرئاسية، وترجيح مراقبين كثر إطاحة نظام الرئيس الحالي، محمد عبد الله (فرماجو)، لأسباب عديدة، من بينها إذعانه الكامل للسياسات الإثيوبية، ولا سيما في عام 2020.