طهران | عامٌ تراجيدي وحافل بالأحداث شهدته إيران، بدأ وانتهى باغتيال اثنين من الشخصيات البارزة، على المستويين العسكري والنووي، (قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني، والرجل الأول في البرنامج النووي محسن فخري زادة)، في وقت مرّت فيه البلاد بأزمات متلاحقة، بما في ذلك التفجيرات الغامضة وتصاعد الضغوط الأميركية... مع ذلك، تسود أجواء من التفاؤل الحذِر بانخفاض حدّة التوتّرات، في عام 2021، بالرغم من العوامل والمعطيات التي تفيد بالعكس.

يتمثّل الموضوع الأهم بالنسبة إلى إيران، خلال العام الحالي، في سياسات الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة جو بايدن، وآفاق ومآلات الاتفاق النووي. فالوعود التي أطلقها بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي، ورفع العقوبات، يمكن أن تكون مبعث أمل، ولا سيّما أنّها قد تضخّ دماءً جديدة في الاقتصاد الإيراني. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ الظروف الاستثنائية ستتحوّل إلى عادية وطبيعية. ففريق بايدن يربط عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي بوفاء إيران بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، وهذه الأخيرة تؤكّد أنّ خفض التزاماتها جاء كردّة فعل على انسحاب واشنطن من الاتفاق، وعليه، بات على الولايات المتحدة العودة أوّلاً إلى الاتفاق. وإن كان هذا الأمر يعني شيئاً، فهو أنّه سيشكّل عائقاً أمام تحقيق أي تقدّم مرتقب، ولا سيما أنّ طهران بدأت برفع مستوى تخصيب اليورانيوم، كأداة ضغط على الإدارة الأميركية لدفعها للعودة إلى الاتفاق النووي، ورفع العقوبات.
لا تنتهي المسألة عند هذا الحدّ، ذلك أنّ فريق بايدن يطالب بـ«إصلاح» الاتفاق النووي بهدف زيادة القيود على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما دونه عقبات كثيرة على اعتبار أنّ طهران تقول إنّها غير جاهزة للدخول مجدداً في مفاوضات بشأن الاتفاق النووي. بناءً عليه، فإنّ الولايات المتحدة قد تبقي على جزء من العقوبات، في خطوة لدفع إيران إلى القبول بإصلاح الاتفاق. كذلك، تحدّث فريق بايدن عن ضرورة إجراء محادثات بشأن البرنامج الصاروخي وسياسات إيران في المنطقة، الأمر الذي ترفضه الجمهورية الإسلامية وتبدي تحسّساً بالغاً تجاهه، كما تعتبره من الخطوط الحمر. أمّا التحدّي الأكبر الذي تواجهه إيران، فهو إمكانية مضيّ بايدن قدماً بسياساته تجاهها، ولكن هذه المرة من خلال التحالف مع شركائه الأوروبيين ضدّها. وفي حال حصول ذلك، فقد يتمّ تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها.

تبقى الانتخابات الرئاسية ثاني أهمّ موضوع بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية


بغضّ النظر عن كلّ ما تقدّم، يحذّر العديد من المراقبين في إيران من أنّ استمرار الوضع الاقتصادي المتدهور، يمكن أن يؤدّي إلى اندلاع احتجاجات في الشارع، على غرار ما حدث في أيلول/ سبتمبر 2017 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2019. ومن هذا المنطلق، تأمل إيران أن تزيد من إيراداتها من العملة الأجنبية، معوّلة على انحسار الضغوط الخارجية والعقوبات. ففي عام 2020 وحده، تدنّت قيمة الريال بنسبة 100 في المئة، وزادت معدّلات التضخّم عن 40 في المئة، فيما تقهقر معدّل النمو الاقتصادي إلى نحو سالب 6 في المئة.
المقاربة الإيرانية في هذا المجال، تعتمد على وجهة نظر تقول إنّ بايدن سيعتمد على الأرجح سياسة متوازنة تجاه المنطقة، ولن يعتمد على إسرائيل والسعودية حصراً، ما يعني بروز فرصة سانحة أمام إيران كي تعزّز دورها.
وفي خضمّ كل ذلك، تبقى الانتخابات الرئاسية المقرّرة في 17 حزيران/ يونيو ثاني أهم موضوع بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، في عام 2021. وبما أنّها ستجرى بعد خمسة أشهر على دخول بايدن إلى البيت الأبيض، فإنّ السلوك الأميركي تجاه طهران سيكون له دور في التأثير على المناخ السياسي الداخلي. بمعنى آخر، إن حصل تطوّر لافت في مجال رفع العقوبات، فإنّ الرغبة في المشاركة السياسية ستزداد، وقد تأتي حكومة ذات توجّهات معتدلة. لكن إن واصلت واشنطن سياسة الضغوط، ولم تُدخِل تغييرات جادّة على مقاربتها، فإنّ ذلك قد يؤدّي إلى تدنّي المشاركة الجماهيرية في الانتخابات، وزيادة احتمالات تولّي حكومة ذات طابع عسكري وأمني زمام الأمور.



بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%
أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أمس، أنّ إيران بدأت عملية تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، وهو معدّل أعلى بكثير ممّا نص عليه الاتفاق النووي المبرم بين طهران والدول الكبرى في عام 2015. وقالت الوكالة التابعة للأمم المتحدة: «بدأت إيران اليوم (أمس) بإنتاج اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 4,1 في المئة في ستّ مجموعات طرد مركزي في منشأة فوردو، بهدف الوصول إلى نسبة تصل إلى 20 في المئة».
تأكيد الوكالة جاء بعدما أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، البدء بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، مشيراً إلى أنّ الرئيس حسن روحاني أصدر، خلال الأيام الأخيرة، مرسوماً رئاسياً «بشأن تنفيذ قانون المبادرة الاستراتيجية لإلغاء الحظر».
من جهته، أكّد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عبر موقع «تويتر»، «استأنفنا التخصيب بنسبة 20 في المئة، كما أقرّه برلماننا». وأشار إلى أنّه «تمّ إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق الأصول». وشدّد ظريف، على أنّ الخطوة «تتوافق بالكامل» مع بنود الاتفاق، وتأتي «بعد سنوات من عدم التزام عدد من المشاركين الآخرين» به. إلّا أنّه كرّر أنّ كلّ التراجعات الإيرانية عن بنود الاتفاق قابلة للعودة عنها «بشكل كامل»، متى توافر «الالتزام الكامل من كلّ الأطراف».
(الأخبار، أ ف ب)