من دون مناسبة، أطلق الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، تصريحات أكّد فيها أن العلاقات الاستخبارية والأمنية مع إسرائيل مستمرّة، وتمنّى أن تبلغ جوانبها الأخرى مستويات أعلى، قائلاً إن «قلوبنا ترغب في تحسين العلاقات (...) لتكون أفضل»، كما جاء في تغريدته. موقف إردوغان هذا يجيء في سياق مسارٍ يتنامى بتقطّع بين أنقرة وتل أبيب منذ 27 حزيران/ يونيو 2016، تاريخ تطبيع العلاقات والعمل على تبادل السفراء في إطار تسوية الخلاف حول سفينة «مافي مرمرة» (2010). حينها، وافقت إسرائيل على الاعتذار عن سقوط تسع ضحايا أتراك ودفع تعويضات مالية، في مقابل إسقاط القضاء التركي أيّ دعاوى ضدّها، وتخلّي أنقرة عن شرط رفع الحصار عن قطاع غزّة والاكتفاء، عوضاً عن ذلك، بإدخال بعض المساعدات الطبيّة والغذائية. ومنذ ذلك الوقت، سارت العلاقات من دون مشكلات كبيرة؛ فاكتفت تركيا برفع الصوت في مواجهة خطوات إسرائيلية ضدّ الفلسطينيين، أو انتقاد مواقف أميركية على غرار اعتراف إدارة دونالد ترامب بالقدس المحتلّة عاصمة للكيان.

ويسود تركيا بكلّ أحزابها، ومنهم «حزب الشعب الجمهوري» المعارض، اقتناع ثابت يقول إن الطريق إلى إسرائيل يمرّ عبر أميركا والعكس صحيح. وفي هذا الإطار، يشاع احتمال تعيين سفير تركي جديد في تل أبيب هو الباحث والمتخصّص في القضايا الدولية أفق أولوطاش (40 عاماً)، مواليد مدينة الإسكندرون. وقد تولّى هذا الأخير رئاسة «مركز الدراسات الاستراتيجية»، وعمل في مركز الأبحاث التابع لوزارة الخارجية، كما عمل لفترة في واشنطن. ويجيد أولوطاش العبرية، لكونه درس التاريخ العبري في الجامعة العبرية في القدس. وربّما شكّل هذا الجانب من مسيرته، سبباً رئيساً لترشيحه سفيراً لدى إسرائيل، على رغم أن هذا التعيين لم يتمّ حتى الآن، ولا يعرف إذا ما كان أولوطاش سيبقى مرشّحاً لهذا المنصب أو لا.
على أي حال، فإن كلام إردوغان عن حُسن العلاقات الأمنية والاستخبارية بين تركيا وإسرائيل وأمله في تحسين الجوانب الأخرى، لا يعكس حقيقةَ أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين لم تتأثّر يوماً منذ حادثة «مرمرة»، بل كانت تتزايد مع كل سنة تمضي، إذ وصل حجم التبادل التجاري بينهما، العام الماضي، إلى أكثر من ستة مليارات دولار، فيما يمثّل توريد النفط من آذربيجان إلى إسرائيل عبر تركيا شرياناً حيوياً للكيان العبري. كما أن إردوغان يعلن عن الرغبة في تطوير العلاقات مع كيان لطالما وصفه بـ»الإرهابي». ولعلّ ذلك يتضمّن العديد من الرسائل؛ أولاها إلى إسرائيل نفسها، عبر تبيان رغبة أنقرة في توقيع اتفاق يحدّد المنطقة الاقتصادية الحصرية بينهما، بما يؤدّي إلى تخفيف حدّة التوتّر في شرق المتوسط ويخرج تركيا من عزلتها في مواجهة اليونان وقبرص اليونانية ومصر. والتوصّل إلى مثل هذه الاتفاقية، سيكون أفضل رسالة من الرئيس التركي إلى الرئيس الأميركي المنتخَب، جو بايدن، واستباق أي خطوات عدائية من جانب الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أوزاي شيندير في صحيفة «ميللييت»، أن تطبيع أنقرة العلاقات مع تل أبيب بشكل كامل، سينهي إمكان ظهور دولة كردستان المستقلّة في شمال العراق، والتي يُنظر إليها في تركيا على أنها ستكون صديقة لإسرائيل. وسيعيد هذا التطبيع، يقول شيندير، تحريك اللوبي اليهودي في أميركا من جديد لمصلحة تركيا والتوقّف عن التنسيق مع اللوبيَين الأرميني واليوناني. كذلك، فإن الانفتاح التركي على إسرائيل قد لا يكون بعيداً عن الاتفاقات التي وقّعها بعض الأنظمة العربية، وتحديداً المغرب، كما عن مواقف العديد من الحركات الإسلامية التابعة لجماعة «الإخوان المسلمين» في أكثر من بلد. فموقف الجماعة في البحرين، بدا خجولاً جداً، إذ لم تدن الخطوة، بل أشادت بـ»القيادة الحكيمة» للملك، فيما لم يتّخذ إخوان السودان أيّ موقف معارض لخطوة التطبيع مع إسرائيل. لكن الخطوة الأكثر دلالة تمثّلت في موقف «حزب العدالة والتنمية» المغربي، برئاسة سعد الدين العثماني، ذلك أنه أقدم بصفته رئيساً للوزراء على توقيع اتفاقية التطبيع عن الجانب المغربي، فيما وقّعها عن الجانب الإسرائيلي مستشار الأمن القومي مئير بن شبات. وهي خطوة كانت محلّ مفاجأة، ولا سيما أن العثماني يتزعّم جماعة يفترض بها، كحركة إنهاض للأمة، أن تكون أوّل المعارضين لاتفاقيات التطبيع. وكما برّر الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، إشادته برئيس إسرائيل «الصديق العزيز» شمعون بيريز وبـ»شعب اسرائيل العظيم» بقوله إنه ورث واقعاً موجوداً، فإن تبريرات العثماني مشابهة لجهة أنه يوقّع اتفاقية للتطبيع مع كيان الاحتلال، لكنه سيبقى مسانداً للقضية الفلسطينية. ولا شك في أن تنظيمات «الإخوان المسلمين» في الدول العربية والإسلامية تواجه تحدياً كبيراً وتجد نفسها في مأزق أخلاقي عميق للغاية.

سينهي تطبيع تركيا العلاقات مع إسرائيل إمكان ظهور دولة كردستان المستقلّة في شمال العراق


من واقع التطورات، ومنها موقف إردوغان الأخير من إسرائيل، تُطرح تساؤلات جدّية حول الدور الذي لعبه الرئيس التركي وحزبه «العدالة والتنمية» في إقناع نظيره في الاسم والانتماء الفكري، «العدالة والتنمية» المغربي، في الموافقة على اتفاقية التطبيع وبيد العثماني تحديداً، ومدى ارتباط الدور التركي هنا بتقديم أوراق اعتماد تركية إلى بايدن وإسرائيل وتخفيف الضغوط الأميركية، كما الأوروبية، الحالية والمرتقبة على أنقرة. وتطرح علاقة «العدالة والتنمية» بنظرائه في الفكر والعقيدة في البحرين والمغرب وسوريا، احتمال أن تشمل قائمة التطبيع لاحقاً «حركة النهضة» التونسية بزعامة راشد الغنوشي، المعجب الأكبر بتجربة ونموذج «العدالة والتنمية» التركي. وهو ما يحوّل التركيز إلى التطورات في تونس، واحتمالات تخطّى معارضة الرئيس قيس سعيّد للتطبيع مع إسرائيل. تقع مواقف حركات «الإخوان المسلمين» في البحرين ومصر وسوريا والمغرب وتونس وليبيا في موقع المَدين لتركيا بالدعم الدائم مالياً ولوجستياً وسياسياً وعسكرياً (في سوريا وليبيا واليمن). وبهذه المواقف، تضع حركات «الإخوان» نفسها رهينة القرار التركي الذي يأخذ في الاعتبار، وهذا طبيعي جداً، مصالح الدولة التركية أولاً وأخيراً، فيما يوقِع تشجيع إردوغان «الإخوان المسلمين» على الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها هذه الحركات في سقطات تاريخية وقاتلة، لا يعرف كيف يمكن تصحيحها على المديَين المنظور والمتوسط.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا