بعد عشرة أشهر من المفاوضات المتوتّرة والمضنية، بدا الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، أمس، على وشك التوصّل إلى اتفاق بشأن علاقتهما التجارية المستقبلية، ما سيسمح لهما بتجنّب خروج بريطانيا من دون اتفاق، قبل ثمانية أيام من الموعد المحدّد لذلك.

وقال مصدر أوروبي: "نحن في المرحلة النهائية"، في حين تحدّث مصدر ثانٍ عن "فرص كبيرة" لإبرام الاتفاق اليوم. وقال مصدر دبلوماسي: "لقد تحرّكت الأمور في الجانب البريطاني، لكن الشيطان يكمن في تفاصيل النصوص ولم نصل إلى ذلك بعد". وأضاف دبلوماسي ثانٍ: "ما زالت هناك صعوبات". ويأتي ذلك فيما ذكرت مصادر أوروبية أن المفاوضات باتت، منذ الإثنين، في يدَي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، اللذين كثّفا الاتصالات بينهما.
وكان وصول الصيادين الأوروبيين إلى المياه البريطانية لا يزال، حتى صباح أمس، النقطة الشائكة النهائية في المناقشات التي أُنجزت تقريباً، بما يشمل مواضيع إشكالية سابقاً، مثل كيفية تسوية النزاعات وتدابير الحماية من أيّ منافسة غير عادلة. وعلى الرغم من ضآلة أهمّيته الاقتصادية، فإن للصيد البحري أهمية سياسية واجتماعية للعديد من الدول الأعضاء، بما في ذلك فرنسا وهولندا والدنمارك وإيرلندا. لكن المملكة المتحدة جعلته رمزاً لاستعادة سيادتها بعد الانفصال. وتُركّز المفاوضات على تقاسم نحو 650 مليون يورو من المنتجات التي يصطادها الاتحاد الأوروبي كلّ عام في مياه المملكة المتحدة، وطول فترة التأقلم التي يحتاج إليها الصيادون الأوروبيون مع المعطيات الجديدة.
من الناحية النظرية، سيترك التوصّل إلى اتفاق وقتاً كافياً لدخوله حيّز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/ يناير، عندما تخرج المملكة المتحدة نهائياً من السوق المشتركة، بعدما غادرت الاتحاد الأوروبي رسمياً في 31 كانون الثاني / يناير 2020. ويتعيّن على البرلمان الأوروبي المصادقة، في وقت لاحق، على الاتفاق المؤلّف من نحو ألفي صفحة.

سيترك التوصّل إلى اتفاق وقتاً كافياً لدخوله حيّز التنفيذ في بداية الشهر المقبل


وسيسمح نجاح هذه المفاوضات، التي بدأت في آذار/ مارس، للطرفين بإنقاذ ماء الوجه من خيار "عدم الاتفاق"، وهو أمر محرج سياسياً وضارّ اقتصادياً. ففي حال عدم التوصّل إلى اتفاق، سيتعيّن إجراء المبادلات التجارية بين الاتحاد الأوروبي ولندن وفقاً لقواعد "منظمة التجارة العالمية"، مع ما يعنيه ذلك من فرض حصص ورسوم جمركية، فضلاً عن الإجراءات الإدارية التي قد تؤدي إلى اختناقات هائلة وتأخير في التسليم. ويمثّل هذا سيناريو أسود بشكل خاص بالنسبة إلى المملكة المتحدة، التي تعاني من سلالة أسرع انتشاراً من فيروس "كورونا" أدت إلى عزلها تقريباً عن بقية العالم.
كذلك، في حال إبرام الاتفاق، سيوفّر الاتحاد الأوروبي لعضوه السابق الوصول بدون رسوم جمركية أو حصص إلى سوقه الضخم الذي يعدّ 450 مليون مستهلك، وهو أمر غير مسبوق. ولكن هذا الانفتاح سيُرفق بشروط صارمة، إذ سيتعيّن على الشركات في بريطانيا الامتثال لعدد من اللوائح التي ستتطوّر بمرور الوقت في ما يتعلّق بالبيئة وقانون العمل والضرائب. وستُعتمد آلية تسمح لكلا الطرفين بالتفعيل السريع للإجراءات المضادة في حالة وجود اختلافات حول هذه المعايير.
أمّا في غياب اتفاق، فستكون خسارة أوروبا أقلّ بكثير من المملكة المتحدة، إذ يصدّر البريطانيون 47% من منتجاتهم إلى القارة، بينما يبيع الاتحاد الأوروبي 8% فقط من بضائعه في المملكة المتحدة. ولكن بعض الدول ستتضرّر أكثر من غيرها نظراً إلى علاقاتها الوثيقة مع المملكة المتحدة، مثل إيرلندا ودول الشمال وألمانيا وفرنسا. وقد حقّقت الأخيرة فائضاً تجارياً قدره 12,5 مليار يورو في عام 2019 مع لندن.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا