يسير تطبيق اتفاق ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان في منتهى الدقّة. خلال المدد المحدّدة، انسحب ما تبقّى من جيش أرميني من المناطق الثلاث: أغدام وكلبجار ولاتشين، حيث تمّ رفع العلم الأذربيجاني للمرّة الأولى، منذ 29 عاماً، وإن كان رفعه في لاتشين الأكثر دلالة ورمزية لما لهذا الممرّ من أهمية استراتيجية في الوصل الجغرافي بين أرمينيا وقره باغ.

وبدا لافتاً، في الأيام الماضية، الاحتضان الروسي لرئيس وزراء أرمينيا المتمرّد (سابقاً) على موسكو، نيكول باشينيان، وإشادة الرئيس فلاديمير بوتين به، واعتباره إيّاه ضمانةً لحسن تطبيق الاتفاق الذي يمكن القول إنه لم يتبقّ من تنفيذه كاملاً سوى الانتشار الكامل للقوات الروسية، وفتح الممرّات بشكل رسمي. وباستثناء عاصمة الإقليم، ستيباناكرد، والقسم الشمالي الغربي من قره باغ، اللذين بقيا تحت رعاية القوات الروسية، استعادت أذربيجان معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها أرمينيا منذ عام 1991، وهي عبارة عن سبع مدن و290 قرية، أهمّها فضولي وجبرائيل وزنغيلان وقوبادلي وشوشي وهادروت.
وما يلفت، في الآونة الأخيرة، الأرقام التي أفرجت عنها باكو حول عدد قتلى جيشها، والتي بلغت 2,783، وعدد محدود من الجرحى هو 245. وفي الجهة المقابلة، بلغ عدد قتلى الجيش الأرميني، وفق يريفان، 2,300، فضلاً عن مئات الأسرى لدى الطرفين. وهذه الأعداد الكبيرة تعكس ضراوة الحرب وشراسة المقاومة الأرمينية. ولكنّ موازين القوى غير البشرية كانت حاسمة في ترجيح كفّة الأذربيجانيين على الأرمينيين في حرب استمرّت 44 يوماً (من 27 أيلول/ سبتمبر وحتى العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر).
وعلى رغم أن النقاشات والتحليلات حول الرابحين والخاسرين في هذه الحرب لن تنتهي، إلّا أن هناك إجماعاً على أن الرابح الأوّل هو أذربيجان والخاسر الأكبر هو أرمينيا، فيما برز رابح أوّل بمقاييس التوازنات الدولية، وهو روسيا. يقول الكاتب أليف جوشكون، في صحيفة «جمهورييت»، إن مكاسب موسكو اقتصادية واستراتيجية. فالإشراف على الممرّات سيكون مباشرة من قِبَل الجيش الروسي، وهي مناطق - ولا سيما المنطقة الجنوبية القريبة من إيران - مرور النفط. ومجرّد وجود الروس على امتداد الممرّ الجنوبي الذي اتُّفق على فتحه بين نخجوان وباكو، يعني إلغاء إمكانية أيّ وجود لـ«حلف شمال الأطلسي» في المنطقة الجنوبية من القوقاز. وبهذا الاتفاق، تكون روسيا أعطت الردّ الحازم على محاولات الغرب وضع يده على أرمينيا عبر باشينيان. أكثر من ذلك، يرغب أرمن قره باغ في أن تقيم روسيا قاعدة عسكرية في الإقليم لضمان بقاء القسم الأرميني من المنطقة بعيداً من التهديدات الأذربيجانية، وهو ما اقترحه مستشار رئيس قره باغ الأرميني، دافيت بابيان.

يتيح الممرّ الجنوبي لأذربيجان أن تُصدّر النفط إلى العالم من دون المرور بالأراضي الإيرانية


أما بالنسبة إلى تركيا، فيقول جوشكون إن المناطق المحرّرة ستكون بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة ليبدأ عصر جديد من العمل الاقتصادي هناك، خصوصاً مع العودة المحتملة لأكثر من مليون أذربيجاني وبناء قرى جديدة. وفي هذا السياق، سيكون لأنقرة، بشركاتها وخبراتها، دور كبير. أمّا بالنسبة إلى الممرّات، فيقول الكاتب إنه، للمرّة الأولى منذ مئة عام، يتمّ ربط تركيا بأذربيجان بممر برّي. واليوم، يتّصل البلدان عبر طريق تبدأ من إيغدير وتنزل عبر الأراضي الإيرانية لتصعد من جديد إلى الأراضي الأذربيجانية، بطول 927 كيلومتراً، فيما سيخترق الممر البرّي الجديد مباشرة الأراضي الأرمينية فأذربيجان، بطول 650 كيلومتراً. وبالتالي، بدلاً من المرور عبر خط طويل من إيران أو جورجيا، بات ممكناً عبور هذا الممرّ الجنوبي، ومن دون الأخذ في الاعتبار وجود حدود أو دفع رسوم جمركية. فضلاً عن ذلك، يربط هذا الممرّ تركيا بآسيا الوسطى، إذ ينطلق القطار من إسطنبول ومنها إلى باكو فآسيا الوسطى والصين، بحسب الكاتب. ويتيح الممرّ الجنوبي لأذربيجان أن تُصدِّر النفط والغاز الطبيعي مباشرة إلى تركيا والعالم من دون المرور بالأراضي الإيرانية، كما يمكن لغاز تركمانستان أن يصل مباشرة إلى أنقرة عبر هذا الممرّ، ما قد يُحيي مشاريع إنشاء خطّ للطاقة عابر لبحر قزوين.
ويرى مراقبون أن تثبيت الاستقرار عبر اللجنة الخماسية التي اقترحها الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف (تضمّ روسيا وتركيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان)، سيكون خطوة مهمّة إلى الأمام. مثل هذا الاقتراح قد يبصر النور مع قرب بدء مركز المراقبة الروسي – التركي المشترك في باكو عمله. وفي حال تشكيل مثل هذه اللجنة، فإنها تعني استبعاد الغرب عن التأثير في المنطقة، وإعلان نعي «مجموعة مينسك» المؤلّفة من أميركا وروسيا وفرنسا. هنا، تبدو باريس في سباق مع تعويض الصورة البائسة التي ظهرت عليها خلال الحرب في قره باغ وعجزها عن القيام بأيّ خطوة تعكس تأييدها لأرمينيا، إذ تحاول إقرار قانون يعترف بـ«جمهورية أرتساخ»، أي قره باغ الأرمينية. وبالفعل وافق مجلس الشيوخ الفرنسي على قرار بهذا الخصوص في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، يحثّ الحكومة على الاعتراف باستقلال أرتساخ، ويدين بشدة التدخلات التركية في المنطقة. لكنّ وزارة الخارجية الفرنسية رفضت القرار، لافتةً إلى أنها ليست في وارد الإقدام على خطوةٍ لا تفيد أحداً، بل إن الأولوية هي لعودة النازحين، لتكون خطوة مجلس الشيوخ استعراضية لا قيمة فعلية لها.
وفي ردّة فعل تركية لاحقة، استنكر الرئيس رجب طيب إردوغان التدخلات الفرنسية في القوقاز وفي شرق المتوسط. وبعدما كان وصف ماكرون بـ«المختلّ عقلياً»، قال بعد خروجه من صلاة يوم الجمعة الماضي في آيا صوفيا، إن «ماكرون بلاء على الشعب الفرنسي، وأمنيتي أن تتحرّر فرنسا اليوم قبل الغد من هذا البلاء. وإذا لم تتحرّر منه، فإنها لن تستطيع التحرّر من السترات الصفر التي يمكن أن تتحوّل إلى سترات حمر». وأيّد إردوغان اقتراح إلهام علييف القائل إنه «إذا كانت فرنسا تحبّ أرمينيا إلى هذه الدرجة، فما عليها سوى إعطاء مرسيليا للأرمن. القضية بسيطة إلى هذا الحدّ». واعتُبر هذا الموقف دعوة مباشرة للناخبين المسلمين والأتراك وغيرهم إلى عدم التصويت لماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجري بعد سنة ونصف سنة في ربيع 2022. ولم يقابل ماكرون نظيره التركي بردّ حاد، بل كان تهدوياً بقوله إن «العلاقات بين رؤساء الدول لا تدار من خلال استخدام أسلوب التحقير».
وفي ضوء كلّ ذلك، فإن التطورات في القوقاز تركت أثرها على التوازنات في تلك المنطقة وفي العالم، وفتحت الباب أمام صفحات جديدة يُنتظر أن تتبلور أكثر مع مرور الوقت.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا