طهران | على الرغم من أن كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين الإيرانيين وجّهوا أصابع الاتهام نحو إسرائيل، وتوعّدوا بالثأر لاغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، إلّا أن تساؤلات عديدة تُثار في شأن طريقة ردّ الفعل وتوقيته، ولا سيما في ظلّ الظروف الحالية، وما قد تحمله الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من مزيد من الأعمال الانتقامية ضدّ طهران.

خلال اليومين اللذين أعقبا اغتيال فخري زاده، أُثيرت رؤيتان أساسيّتان في المشهد السياسي الإيراني في شأن الموقف المنشود أمام هذه الجريمة. وانطلاقاً منهما، يمكن التكهّن بالسيناريوات المطروحة من قِبَل أصحاب القرار في إيران ردّاً على الاغتيال. تتمحور الرؤية الأولى حول المطالبة باتخاذ إجراء جادّ وعملي وعاجل ضدّ إسرائيل. ويرى المنادون بهذا الإجراء أنه في حال عدم القيام بردّ فعل صارم وملائم إزاء الاغتيال، فإن ذلك سيفسح المجال أمام إسرائيل، والسعودية، وإدارة ترامب، من أجل زيادة الضغوط، أو حتى تنفيذ المزيد من العمليات داخل الأراضي الإيرانية.
وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "كيهان"، المقرّبة من التيار الأصولي، أن الشيء الوحيد الذي يوقف "ماكينة الاغتيال" الإسرائيلية هو "الردّ الصارم والقاسي وفي أوانه"، مضيفة أنه "يجب أن لا يكون هناك أدنى تردّد وتقاعس في الانتقام من الصهاينة المجرمين". وأشارت الصحيفة إلى أن "الصهاينة برهنوا مراراً أنهم لا يفهمون سوى لغة القوة"، معتبرة أن "قانون العين بالعين هو الكفيل بالتصدّي لهذه الكائنات الجبانة والتافهة. فليبقَ الصهاينة في حالة ترقّب وانتظار". ووجّهت "كيهان" انتقاداً ضمنياً إلى السياسة الخارجية لحكومة الرئيس حسن روحاني، حيث قالت: "المؤسف هو لِمَ توصّل الصهاينة إلى هذا التصوّر - اليقين الموهوم - أو لِمَ اعتبروا أن إيران لن تردّ!"، مضيفة: "أليس هذا التصوّر أو الانطباع الموهوم للعدو ناتج عن مواقف أولئك الذين لم يطيقوا، على سبيل المثال، كتابة اسم الكيان الصهيوني على صواريخ الحرس الثوري؟!".
في المقابل، تَظهر الرؤية الثانية التي يبدو أنها تشغل حيّزاً واسعاً من ذهن كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، والتي تتمثّل في التوصية باعتماد ضبط النفس و"الصبر الاستراتيجي"، بمحاذاة التوعّد بالثأر والانتقام وإنزال العقاب الصارم بالمنفّذين والمتآمرين. وتأسيساً على هذه الرؤية، هناك مَن يرى أنه يجب تحاشي إعطاء الذرائع لإسرائيل والسعودية والولايات المتحدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لأن هؤلاء يتحيّنون الفرص لضرب إيران عسكرياً، وبدء حرب قبل أن ينتقل الرئيس الأميركي المنتخَب، جو بايدن، إلى البيت الأبيض.

اتّسمت رسالة خامنئي بلهجة أخفّ ممّا حمله ردّ فعله على اغتيال سليماني


ومن هذا المنطلق، رأت صحيفة "آرمان ملي" المقرّبة من التيار الإصلاحي أن اغتيال فخري زادة يمثّل "فخّ التوتر". وأشارت إلى أن "ترامب و(رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو و(ولي العهد السعودي محمد) بن سلمان لن يجلسوا مكتوفي الأيدي هذه الأيام، بل يعتزمون جعل الطريق غير سالك على الرئيس الأميركي الديموقراطي وإيران". وأضافت أنه "يكفي أن تلعب إيران في الملعب الذي أحدثه هؤلاء الثلاثة، لكي يدخل كلّ شيء في مرحلة التوترات الشديدة، وحتى العسكرية". وتابعت "آرمان ملي": "يبدو أن إيران يجب أن تتصرّف، في هذه الظروف، بوعيٍ أكثر من أيّ وقت مضى، وأن تتّخذ إجراءاتها بدقة ودراية، لكي لا تتورّط في فخّ التصرّفات المشحونة بالتوتّرات". ويبدو أن الرئيس حسن روحاني من أنصار الرؤية الثانية، وتصريحاته التي أدلى بها أول من أمس تؤكد ذلك؛ إذ قال إن "الشعب الإيراني أكثر حكمة من أن يسقط في فخّ مؤامرات الصهاينة، إنهم بصدد إثارة الفتنة والفوضى، وليعلموا أننا قد اكتشفنا نيّاتهم من قبل". وبينما توعّد روحاني بأن لا تترك إيران هذا العمل الإجرامي يمرّ من دون عقاب، فقد أكّد، في الوقت ذاته، أن المسؤولين المعنيّين سيردّون "في أوانه وبشكل ملائم"؛ وهو تعبيرٌ ينطوي على القرار باعتماد الصبر والامتناع عن اتخاذ إجراء عاجل وعملي. وفي الإطار نفسه، تبرز أيضاً رسالة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، السيد علي خامنئي، والتي تضمّنت التشديد على "متابعة هذه الجريمة ومعاقبة منفّذيها ومُصدري الأوامر بتنفيذها"، من دون أن تحمل إشارة إلى مسؤولية إسرائيل. وجاءت لهجة الرسالة أخفّ بكثير من ردّ فعل خامنئي على اغتيال قائد "فيلق القدس" اللواء قاسم سليماني قبل عشرة أشهر، حين تحدّث عن "الانتقام الصارم"، لتهاجم إيران، بعد ذلك بأيام، قاعدة "عين الأسد" الأميركية بالصواريخ. في هذه الأثناء، صوّت البرلمان الإيراني، أمس، لصالح إلزام الحكومة برفع نسبة تخصيب اليورانيوم، من دون أيّ قرار ملزم بردٍّ حاسم وعملي على اغتيال فخري زاده.
بناءً على ما تقدّم، يبدو أن الحرب والمواجهة العسكرية المباشرة ستُمثّلان آخر خيار قد تلجأ إليه الجمهورية الإسلامية، خلال الأشهر المقبلة، في انتظار تسنّم بايدن الرئاسة الأميركية. ومن هذا المنطلق، تحاول طهران إظهار أن سبب الصبر الذي تعتمده لا يعود إلى غياب الإرادة والقدرة اللازمة للردّ، بل إلى الترقّب لانتهاء حقبة ترامب، بأقلّ الأثمان.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا