رسائل خطيرة تلك التي وجّهها هنري كيسنجر على أعتاب أعوامه المئة. لمرِّة ثانية، في غضون عامٍ واحد، تطرّق الدبلوماسي الأميركي إلى الحاجة لابتداع سلوك مغاير لمقاربة العلاقات الصينية ــــ الأميركية المتّجهة نحو مزيد من التأزّم، يُعتقد، وفق مراقبين كثر، هو أحدهم، أنه ربّما ينتهي إلى حربٍ مدمّرة، تُستخدم فيها شتّى أنواع الأسلحة، فيما لو مضت الولايات المتحدة في مساعي إسقاط التجربة السوفياتية على الحالة الصينية في سياق دوليّ مختلف جذرياً عن ذاك الذي ساد إبان انهيار الاتحاد. بخلاف اقتناعه السابق الذي ظهّره في كتابه "النظام العالمي"، يعترف كيسنجر بأن أميركا لم تَعد في وضعٍ يسمح لها بقيادة العالم منفردة. فصعود بكين يحتّم تعاوناً لا مناص منه بين القوّتين العظميين، في حال رغبت واشنطن في تجنيب العالم كارثة على شاكلة الحرب العالمية الأولى.

طرح كيسنجر رؤيته عن العلاقات بين القوّتين الرئيستَين، في سياق ندوة نظّمها رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي لولاية نيويورك بداية الشهر الماضي، وفي حوار مع رئيس تحرير وكالة "بلومبرغ"، جون ميكلتويت، قبل أيّام. رؤيةٌ كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق قد لمّح إليها في معرض مشاركته، العام الماضي، في "منتدى بلومبرغ للاقتصاد الجديد" في بكين، حين لفت إلى أن الصراع التجاري بين واشنطن وبكين يسير في اتجاهات مخيفة. بتقديره، انطلقت الحرب العالمية الأولى من حادثة فردية، لكن في ظرف عالمي رجّح كفّة التصادم. وتلك فرضيّة واقعية في عالم اليوم، طالما أن عوامل التوتُّر التي تجعل من إمكانية الانزلاق نحو صدام مفتوح بين الخصمَين اللدودين على أشدّها، كما يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تكساس، كريستوفر لاين. ويتوقّع الأخير، في حالة حدوث صدام، أن يلجأ طرفاه إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية لا تهدّد بإفناء أيّ منهما. لكن أحداً لا يمكنه ضمان عدم التهوّر، واستخدام السلاح النووي الاستراتيجي.
لعلّ اشتراط إدارة دونالد ترامب إدراج الصين في معاهدة "نيو ستارت" التي تحدّد عدد الرؤوس النووية التي يمكن الولايات المتحدة وروسيا امتلاكها بـ 1550، وإصرارها على أن تشمل المعاهدة، أو البديل منها، أسلحة نووية تكتيكية وأخرى جديدة، جاء بنصح من المؤسسة العسكرية القلقة من النموّ المطّرد في برامج التسلُّح الصينية. في هذه النقطة، لا يزال موقف جو بايدن الذي وعد بتمديد المعاهدة (ينتهي أجلها في شباط/ فبراير المقبل)، من دون الإتيان على احتمال تعديلها أو دعوة دول أخرى للانصمام إليها، ضبابياً. وهو ما يحتّم انتظار مآلات الخطوات التي تعتزم الإدارة المقبلة السير بها، وخصوصاً في ظلّ ملفات ساخنة سياسياً ومواجهة قطبية أميركية ــــ صينية يمكن أن تنفجر مُخلّفةً حرباً عالمية ثالثة من الوارد جداً أن تُستخدم فيها الأسلحة النووية، كما حذّر كيسنجر العام الماضي.

ينصح كيسنجر إدراة بايدن بأن لا تنزلق في سياستها إزاء الصين إلى نهج عدواني تصادمي


المتغيِّر بين رسالتي العامَين الفائت والجاري، هو غياب ترامب من الصورة. لذا، وُجِّهت الرسالة حصراً إلى إدارة بايدن التي نصحها بأن لا تنزلق في سياستها إزاء الصين إلى نهج عدواني تصادمي، ولا سيما أن معادلة القوّة بين البلدين متكافئة تقريباً، وأن أيّاً منهما لم يواجه في تاريخه قوة متكافئة. وأوضح كيسنجر أن التكنولوجيات العسكرية المتوفرة اليوم ستجعل "السيطرة" على كارثة عسكرية كهذه "أكثر صعوبة"، مقارنة بالكوارث الكبرى العسكرية السابقة، نظراً إلى التطور الذي طرأ على أنظمة التسلّح في العالم، وبعدما استطاعت الصين تحديث قوتها العسكرية إلى مستويات تضاهي القوة الأميركية. الحلّ، إذاً، يكون عبر "إعادة ربط جسور التواصل" عاجلاً مع الصين بعدما تضرّرت في خلال سنوات حكم ترامب، من أجل تفادي تحوُّل "حرب باردة جديدة" إلى مواجهة عسكرية كارثية. دعوة الدبلوماسي العتيق إلى رسم حدودٍ للمواجهة، وإشارته إلى ضرورة الإقرار بنقاط الاختلاف بين البلدين، والعمل على نقاط التلاقي بينهما، لإدارة أزمة مستمرّة عبر مفاوضات لا تنتهي، يشي، وفق مراقبين، بمساعٍ أميركية إلى استنباط ماضٍ لإسقاطه على حاضر مختلف. في موازاة دعوته تلك، انتقد كيسنجر السياسات المعادية للصين التي كشف عنها بايدن أثناء حملته الانتخابية، وعلى وجه الخصوص اقتراحه الدعوة إلى مؤتمر عالمي للديموقراطيات في مواجهة الصين، يشبه، إلى حدٍّ بعيد، الائتلاف الذي أراد وزير خارجية ترامب، مايك بومبيو، تشكيله لمجابهة القرن الصيني. بدلاً من ذلك، اقترح فتح قنوات اتصال دائمة لضبط إيقاع العلاقات بين القوتين، من أجل وضع سقف للتهديدات التي يمكن أن تنشأ بسبب اختلاف المصالح، وطبيعة النظام في كلا البلدين، محذراً من أن التطورات التكنولوجية المعاصرة يمكن أن تغذّي الميل إلى تبنّي مفاهيم المباريات الصفرية، أي مبدأ أن الطرف الرابح يحصل على كلّ شيء.
يرى كيسنجر أن السبيل الأفضل لضبط العلاقات يكون بإقامة تحالف لاكتشاف الفرص الأفضل للتعاون، مع السماح بوجود الخلافات والاعتراف بها. وفي مجال ضرورات التعاون، تمنّى أن يشكّل التهديد الوبائي المشترك فرصةً لإعادة مدّ الجسور بين بكين وواشنطن، بمجرّد تسلُّم الرئيس الأميركي الجديد مهمّاته.
كذلك، تطرّق إلى الدور الأوروبي، معتبراً أن التوازنات العالمية الراهنة من شأنها أن تضع أوروبا في موقف شديد الحساسية بين الولايات المتحدة ومنطقة أوراسيا التي تسعى قواها إلى تعديل موازين القوى. ورأى أن هذا سيمنح الأوروبيين الفرصة ليقوموا بدور مستقل عن السياسة الخارجية الأميركية، وإن كان هؤلاء قد أبدوا بعض التفاؤل بوصول رئيسٍ آخر غير ترامب إلى البيت الأبيض.
لدى سؤاله عمّا يمكن الصين أن تفعله لتحسين العلاقات مع أميركا، أجاب كيسنجر: "بالطبع هناك خلافات حول مسألة حقوق الإنسان... من المهمّ على كل طرف أن يتفهّم حساسيات الطرف الآخر، وليس بالضرورة حلّ المشكلة، بل التخفيف من حدّتها". إجابة تختصر الاستراتيجية الأميركية لكيفية احتواء حضارة واختراقها من البوابة نفسها: حقوق الإنسان.