لندن | انفجرت موجة غضب شعبية غير مسبوقة في شوارع العاصمة البيروفية ليما ومدن أخرى، احتجاجاً على عزل الرئيس الإصلاحي، مارتن فيزكارا، والذي قرئ على نطاق واسع باعتباره انقلاباً دستورياً نظّمه رئيس الكونغرس (البرلمان)، مانويل ميرينو، الذي يقود مجلساً يغلب عليه سياسيون فاسدون - 60 من أصل 130 - رهن التحقيق في قضايا فساد متنوعة. مع ذلك، ارتدى هذا الأخير وشاح الرئاسة رسميّاً يوم العاشر من الشهر الجاري، بعد يومٍ واحد من إجبار الرئيس على الاستقالة.

تمّ التصويت على إطاحة فيزكارا بغالبية كبيرة في الكونغرس، بعد مزاعم تحدّثت عن تورّطه في قضايا فساد عندما كان حاكماً لإحدى مقاطعات إقليم موكيجوا (جنوب) بين عامَي 2011 و2014. وعلى رغم نفيه الاتهامات الآنفة ووصفها بالسياسية، إلّا أن فيزكارا لم يقاوم إجراءات البرلمان؛ ربّما خوفاً على حياته وفق تكهّنات خبراء في الشأن البيروفي التقتهم «الأخبار» في لندن. سبقت الخطوةَ الأخيرة محاولة فاشلة لعزل فيزكارا في أيلول/ سبتمبر الماضي، دبّرها أيضاً ميرينو. وفي هذا الإطار، يُشكّك محامون دستوريون في صحّة مبرّرات إقالة الرئيس بموجب الدستور البيروفي، خصوصاً أن تحديد وجاهة تلك المبرّرات من عدمه منوط بالمحكمة الدستورية التي يفترض أن يسبق قرارُها قرارَ البرلمان بتنفيذ إجراءات العزل.
فيزكارا، الذي تولّى الرئاسة في عام 2018، مَثّل للجيل البيروفي الجديد أملاً في الخروج من حالة الإحباط التي تعيشها البلاد منذ عقدين، بعدما سعى إلى اجتثاث الفساد من الحياة العامة، ووضع نفسه على مسار تصادمي مع برلمان يغصّ بممثلي الطبقة البرجوازيّة المهيمنة على البلاد. أدى ذلك، في وقت سابق، إلى استخدام فيزكارا صلاحياته الرئاسية في حلّ البرلمان في أيلول/ سبتمبر 2019، والدعوة إلى انتخابات جديدة، لم تسفر عن أيّ تغيير رئيس في تركيبة مراكز القوى في المجلس، وهو ما عمّق المأزق السياسي. ونظراً إلى افتقاره إلى دعم حزب سياسي، فإن فيزكارا - المستقلّ - احتاج دائماً إلى تعاون برلمان معادٍ له موضوعياً، إن هو أراد تمرير أيٍّ من مشاريعه الإصلاحية. وكان من المقرّر أن تنتهي ولايته في 28 تموز/ يوليو المقبل، عشيّة احتفال بيرو بالذكرى المئوية الثانية لتأسيسها جمهورية مستقلة.
يحفل تاريخ بيرو المعاصر بقصص فساد الرؤساء وكبار السياسيين على خلفية تورّطهم في قبول رشى، ولا سيما من قِبَل الشركات البرازيلية الكبرى التي لها مصالح واسعة في البلاد، وخاصّة في قطاع الإنشاءات. وتولّى فيزكارا السلطة خلفاً للرئيس السابق بيدرو كوتشينسكي في آذار/ مارس 2018، بعد تنحّي الأخير تحت تهديد الإقالة على قضايا فساد تورّط بها عندما كان وزيراً في حكومة الرئيس ليخاندرو توليدو (2001 – 2006). وينتظر توليدو حالياً تسليمه من الولايات المتحدة بسبب رشاوى قيل إنه تلقّاها، بينما انتحر الرئيس آلان غارسيا (2006-2011) في عام 2019 عندما كان على وشك أن يُعتقل بتهم الفساد، ويقبع الرئيس أولانتا هومالا (2011-2016) رهن احتجاز وقائي بسبب التبرّعات غير المشروعة التي حصل عليها باسم حملته الرئاسية، فيما يخضع كوتشينسكي للإقامة الجبرية، وحُكم على ألبرتو فوجيموري بالسجن 25 عاماً بتهمة الفساد وجرائم حرب وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان لدى توليه السلطة طوال عقد التسعينيات عندما قضى على المقاومة الشعبية الماركسية المسلّحة التي كانت تقاتل منذ عام 1980 من أجل مجتمع عادل لكلّ البيروفيين.

يحفل تاريخ بيرو المعاصر بقصص فساد الرؤساء وكبار السياسيين


وقد حظيت محاولات فيزكارا تطبيق إصلاحات سياسية وقضائية وتعليمية بعيدة المدى، بشعبية قلّ نظيرها. ففي استفتاء شعبي عام، صوّتت غالبية البيروفيين بالموافقة على خطّته لإصلاح مجلس التعيينات القضائية وإجراءاته لانتخاب القضاة، وحظر إعادة انتخاب النوّاب لأكثر من مرّة، وتشديد اللوائح المتعلّقة بتمويل المنظمات والأحزاب السياسية. ولدى محاولة عزله الأولى (أيلول الماضي)، قال 91% من البيروفيين، في استطلاعات للرأي، إنهم يؤيدون بقاءه فترة ولايته القانونية كرئيس للبلاد، وبعدها مواجهة التهم القضائية الموجهة ضدّه - وهو ما يسمح به القانون البيروفي الذي يمنح الرئيس حصانة موقتة من الملاحقة القضائية ما دام في منصبه -، واعتبرت نسبةٌ مقاربة أن ما يحرّك مساعي العزل مصالح فاسدة. في مقابل ذلك، فإن الأكثرية في بيرو – من الطبقة العاملة كما قطاعات عريضة من منسوبي الطبقة الوسطى - تعتبر البرلمان أداة في يد الطبقة الحاكمة الفاسدة ورجال الأعمال، ولا يمثّل مصالح الشعب.
وفي مواجهة الضغوط الشعبية الهائلة التي هدّدت بالتحوّل إلى ثورة تامّة، لم يكمل ميرينو أسبوعه رئيساً بديلاً واضطر للاستقالة في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، بتشجيع من البرلمان الذي استبدل به سريعاً العجوز فرانسيسكو ساغاستي، وهو سياسي وسطي يبلغ من العمر 76 عاماً وعضو في الحزب الوحيد الذي صوّت ككتلة ضدّ عزل فيزكارا. وبعد أدائه اليمين رئيساً موقتاً في 17 تشرين الثاني، سارع ساغاستي إلى الإقرار بأحقية غضب الجيل الجديد من البيروفيين، وبضرورة إعادة ضبط النظام السياسي في البلاد. لكنه، بحكم فترة ولايته القصيرة، إن استمرّت، لا يُرجّح أن يمسّ بمصالح الفاسدين أو أن ينفّذ تغييراً سياسياً كاسحاً، وهو ما ينقل المعركة السياسية بالفعل إلى انتخابات نيسان/ إبريل المقبل. لكن الديناميات الثورية الجديدة التي ظهرت بارزة للعيان هذا الشهر، ستكون سيفاً مُصلتاً فوق كلّ مَن تراوده الرّغبة في الترشّح للمنصب المشؤوم في ليما، حيث استبدل الجيل الجديد بمتفجرات وكلاشينكوفات الماركسيين الهواتف النقالة الذكية والمواجهات الشعبية، لكنّه احتفظ بالنقمة ذاتها على الطبقة الفاسدة.
ويرى خبراء وأكاديميّون معنيّون بشؤون أميركا اللاتينية أن هذه الديناميات الثورية الجديدة التي شهدتها بيرو في الأسابيع القليلة الماضية، ليست سوى جزء من موجة تجتاح معظم دول القارة التي أنهكت مجتمعاتِها أنظمةٌ برجوازية فاسدة متهالكة عبر عقود من احتكار السياسة ومواجهة الماركسيين بالعنف الممنهج وتبعية عمياء للجار الأميركي الشمالي. وقد قدّمت جائحة «كورونا» نوعاً من تجربة صادمة للشبان والشابات الذين ولد معظمهم بعد مطلع الألفية الثانية، حيث انهارت الأنظمة التعليمية والصحية في معظم أنحاء القارّة، وبلغت أعداد ضحايا الوباء عشرات الآلاف (بيرو ثالث أعلى نسبة وفيات في العالم مقارنة بعدد سكانها)، ودفعت الظروف الاقتصادية الصعبة ملايين من السكان إلى دائرة الفقر، في الوقت الذي نجحت فيه الأنظمة الاشتراكية الصامدة تحت سنوات طويلة من الحصار الغربي - كوبا وفنزويلا ونيكارغوا - في احتواء الوباء وقصر ضحاياه على أعداد قليلة، بل وقدّمت كوادرُ طبيّة منها يد المساعدة للدول المتقدّمة. ولا شكّ - وفق هؤلاء الخبراء دائماً - في أن الطبقات المهيمنة في الأنظمة اليمينيّة ستجد أن أقدارها ستختلف من اليوم وصاعداً، وسيعاني الأميركي صعوبات جمّة في لجم طموحات شعوبها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا