قبل ثلاثين عاماً، حقّق الأرمَن أحد أهمّ إنجازاتهم بضمّ ناغورنو قره باغ إلى أرمينيا. كان ذلك في عهد الرئيس الروسي بوريس يلتسين، وصولاً إلى الهزيمة في عهد "الرئيس القوي"، فلاديمير بوتين. هو مختصر لعبة الأمم، خصوصاً في ظلّ صعود قوى إقليمية ودولية من آذربيجان إلى تركيا، وصولاً إلى روسيا. وكأنّ اللعبة في سوريا انتقلت إلى جنوب القوقاز، باللاعبَين القويَّين نفسَيهما: روسيا وتركيا، مع حضور العاجز عن التأثير مثل إيران، والتي لم يتبقّ في يدها، للأسف، سوى تهنئة الآذربيجانيين على انتصارهم.

أنهى الاتفاق الثلاثي بين آذربيجان وأرمينيا وروسيا، الذي أبصر النور ليل الإثنين – الثلاثاء، الحرب التي بدأت في 27 أيلول/ سبتمبر الماضي. اتفاق البنود التسعة جاء على غفلة من الأرمن ومؤيّديهم، ليرسم خريطة طريق عنكبوتية لإرساء وقف إطلاق النار وضمان الاستقرار، من دون أن يعكس أيّ خطوة جديّة لكيفية حلّ النزاع التاريخي المزمن، وليكون أقرب إلى ترحيل الحلّ إلى سنوات مقبلة، وجولات أخرى من القتال.

بنود الاتفاق
1- يدعو الاتّفاق، أولاً، إلى وقفٍ كامل لإطلاق النار اعتباراً من منتصف ليل الإثنين - الثلاثاء (10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020) في مناطق القتال، على أن تحتفظ كلّ من آذربيجان وأرمينيا بمواقع سيطرتهما الحالية؛
2- تعود منطقة أغدام بكاملها إلى آذربيجان بحلول 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020؛
3- تنتشر قوة حفظ سلام روسية قوامها 1960 جندياً على امتداد خطّ القتال في ناغورنو قره باغ، وعلى طول ممرّ لاتشين مع آلياتها وشاحناتها ومعدّاتها؛
4- يجري نشر القوة الروسية في المناطق التي ستنسحب منها القوات الأرمينية، وستبقى خمس سنوات قابلة للتمديد تلقائياً إذا لم يعترض أيّ من الطرفين على ذلك؛
5- إنشاء مركز لمراقبة وقف إطلاق النار؛
6- تعيد أرمينيا السيادة إلى آذربيجان على منطقة كلبجار بحلول 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ومنطقة لاتشين بحلول الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2020. ممرّ لاتشين سيكون بعرض 5 كيلومترات، ويصل بين أرمينيا وقره باغ ولا يؤثّر على مدينة شوشي التي ستكون في عهدة قوّة حفظ السلام الروسية، على أن يبدأ العمل في إنشاء طريق موازٍ لممرّ لاتشين خلال ثلاث سنوات يؤمّن التواصل بين أرمينيا وقره باغ، ويكون تحت إشراف قوة حفظ السلام الروسية. وستضمن آذربيجان سلامة وأمن المواطنين المارّين والآليات والتجار في ممرّ لاتشين في الاتجاهين؛
7- عودة اللاجئين؛
8- تبادل الأسرى؛
9- رفع كلّ العوائق أمام حركة التبادل الاقتصادي. تضمن أرمينيا أمن التواصل بين آذربيجان ومقاطعة نخجوان وانتقال المواطنين في الاتجاهين. وستكون الطريق تحت مراقبة حرس الحدود في الاتحاد الروسي مع توفير كلّ الأطراف الوسائل لإقامة شبكة التواصل هذه بين آذربيجان ونخجوان.
علّق رئيس آذربيجان، إلهام علييف، على الاتفاق قائلاً: "لقد طردنا العدوّ من أراضينا وركّعناه على ركبتيه"، فيما قال رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان: "لقد اتّخذت قراراً صعباً جداً. وهو مؤلم إلى درجة لا تصدّق".

خريطة المتحاربين
لا يزال مِن المبكر الحديث عن وقف دائم لإطلاق النار، أو اعتبار الاتفاق أساساً صلباً لحلّ مشكلة قره باغ. لكن يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1- شكّل الاتفاق هزيمة واضحة لأرمينيا، حيث إن سقوط مدينة شوشي الاستراتيجية جعل عاصمة الإقليم، ستيباناكرد، بحكم الساقطة عسكرياً، ما دفع باشينيان إلى الموافقة على مسوّدة الاتفاق. وهو بذلك حفظ باقي منطقة قره باغ، ولا سيما العاصمة من السقوط، مع وضعها في عهدة قوّات حفظ السلام الروسية. واعترف باشينيان بأنه لولا الاتفاق لسقطت كلّ قره باغ. وبحسب خريطة طريق الاتفاق، فإن الإقليم قُسِّم فعلياً إلى منطقتين، واحدة تحت سيطرة آذربيجان وأخرى تسيطر عليها القوات الروسية، بما في ذلك شوشي وستيباناكرد.
2- لن تمرّ هزيمة قره باغ بسلاسة على باشينيان، الذي بات في نظر الأرمن مسؤولاً عن الكارثة التي حلّت بالقضية الأرمينية، بعدما غاب أيُّ مدافع عن يريفان، بما في ذلك موسكو وطهران، فضلاً عن الحليف الافتراضي واشنطن. من أخطاء باشينيان القاتلة أنه ابتعد عن موسكو في منطقة حيوية جداً للأخيرة، متوهّماً أنه يمكن له أن يكون جورجيا أخرى أو أوكرانيا جديدة. ولكن بما أن الطرف الآخر هو آذربيجان - المدعومة إسرائيلياً والغنية بالغاز والنفط -، فإن الولايات المتحدة لم تكن في وارد تقديم الدعم للطرف الضعيف في لعبة الأمم. وستكون استقالة أو إقالة باشينيان مسألة وقت ليس أكثر. وقد نأى رئيس الجمهورية الأرمينية، أرمين سركيسيان، بنفسه عن الاتفاق، قائلاً إنه لم يشارك في أيّ اتصالات وعَرَف به من وسائل الإعلام.
3- حتى الآن، نجحت روسيا في الإمساك بطرف الخيط الذي أراده البعض، ولا سيما منعها تركيا من الإمساك به منفردة. وهي كانت مستعدّة للضغط على أرمينيا حتى تقبل بالاتفاق من أجل أن تبقى هي الضامنة الوحيدة، وهذا لا يريح الأتراك. لكن موسكو لا تستطيع تجاهل أنقرة وحضورها ودعمها لباكو، وبالتالي ضرورة حصولها على مكان ما في اللعبة. الاتفاق نفسه لا يعطي تركيا شيئاً، وحتّى إنه لم يرد ذكرها البتّة في متنه. لكن بعض وسائل الإعلام التركية تتحدّث عن اتصالات بين موسكو وأنقرة لتكون هذه الأخيرة جزءاً من قوّات حفظ السلام، ولو في مناطق محدّدة.

بقاء قوّة حفظ السلام الروسية لخمس سنوات قابلة للتمديد، يعني أن حلّ أزمة قره باغ مؤجّل


4- يرسم الاتفاق الجديد خريطة عنكبوتية لمنطقة قره باغ وأرمينيا. ومجرّد لحْظ الاتفاق بقاء قوّة حفظ السلام الروسية لخمس سنوات قابلة تلقائياً للتمديد، يعني أن حلّ الأزمة مؤجّل من جديد إلى وقت لاحق، وأن الظروف لم تنضج بعد لحلّها. ويبدو الأرمن أمام خيارات مرّة، أحلاها العودة إلى حكم ذاتي على غرار الوضع الذي ساد أيّام الاتحاد السوفياتي، والبقاء تحت السيادة الآذربيجانية وفكّ الارتباط بأرمينيا.
5- في المقابل، حقّقت آذربيجان نصراً كبيراً باستعادة معظم أراضي قره باغ، بل بانتزاع الموافقة على فتح ممرّ، عبر أرمينيا، بينها وبين مقاطعة نخجوان، الأمر الذي يحدث للمرّة الأولى، ويُعدُّ بمثابة تحوّل استراتيجي في علاقة باكو بالمقاطعة التابعة لها إدارياً، كما في العلاقة بين تركيا والعالم التركي. لا شكّ في أن إلهام علييف خرج من الحرب بطلاً قوميّاً، وهو الذي اعتبر أن "باشينيان لم يوقّع الاتفاق بملء إرادته، بل رغماً عنه وبكلّ جبن. لقد وقّع عليه بفضل قبضتنا الحديدية. هذا الاتفاق هو بالنسبة إلينا نصر مؤزر". وقال: "(إننا) سنعود إلى أرضنا وإلى شوشي، تاج قره باغ، وإلى أغدام وجبرائيل وقوبالتي وفضولي وزنغيلان ولاتشين وكلبجار".
أما إقليميا ودولياً، فقد اكتسبت آذربيجان، كما أسلفنا مراراً، صورة القوة الإقليمية الصاعدة التي يحسب لها حساب.
6- وما كان ذلك ممكناً لولا تركيا التي كانت الوقود الإيديولوجي والعسكري الذي غذّى النزعات القومية التركية ضدّ النزعة القومية الأرمنية. ومهما حاولت روسيا، لن تكون قادرة على رفض المشاركة التركية في العملية السياسية عاجلاً أو آجلاً، فضلاً عن دور تركي معيّن في الميدان. وكان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، يعتبر هذه المعركة معركته، وقد أعلن بنفسه، كما لو أنه رئيس آذربيجان، سقوط مدينة شوشي.
بهذا الانتصار الآذربيجاني - التركي، يكون الرئيس التركي قد وجّه رسالة قويّة إلى الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، بأن إردوغان الحالي ليس ذاك الذي حاول أوباما ونائبه إطاحته في عام 2016. أما كيف سيتلقّف بايدن الهدية المسمومة، فهذا رهن بتغيير الرئيس المنتخب سياساته السابقة تجاه تركيا.
7- أما إيران، فقد خرجت بأقلّ الخسائر من الحرب الدائرة، مع ارتباك واضح لجهة التأييد الكامل لآذربيجان والمغامرة بخسارة التعاطف الأرمني في القوقاز، علماً بأن طهران كانت تحرص يومياً على التمييز بين تأييدها لباكو، وانتقادها التدخل التركي في الأزمة. أي إن إيران سعت إلى عدم تجيير الانتصار العسكري الآذربيجاني إلى تركيا أيضاً، وإن كان ذلك من سابع المستحيلات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا