لندن | سمح فوز جو بايدن الصعب، لبعض العواصم الأوروبية الكبرى - بروكسل وبرلين أساساً كما باريس وعواصم أخرى -، بتنفّس الصعداء، بعد أربع سنوات كانت عجافاً للعلاقات الأميركية - الأوروبية طوال عهد دونالد ترامب، الذي شرع بالفعل في شنّ حرب تجارية على ألمانيا، واتخذ موقفاً سلبياً من دور «الناتو» في حفظ أمن القارة العجوز، وطالب الفرقاء الأوروبيين بدفع تكاليف حمايتهم، وألهم عدّة قادة يمينيين في صغار الدول الأوروبية للمشاغبة على برلين، وتَسبّب دعمه المعنوي على نحو ما في دفع البريطانيين إلى التهوّر في اختيار الطلاق مع الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وهو أمر كان يمكن أن يتسبب في تصدّع القلعة الأوروبية برمّتها.

أصبحت الولايات المتحدة بإدارة ترامب حجر الرّحى الاستراتيجي للسياسة الخارجية البريطانية (أ ف ب )

لكن ليس الأمر مشابهاً في عواصم أخرى مثل بوادبست (هنغاريا) وروما (إيطاليا) ووارسو (بولندا) التي تحكمها أحزاب يمينية وفاشية، وانتعشت ولو معنويّاً بوجود ترامب في السلطة خلال الفترة الماضية، وبالتأكيد ليس في لندن التي وجدت حكومتها أنها بوصول بايدن إلى البيت الأبيض وقعت في ورطة استراتيجية لا تُحسد عليها، بعدما كانت الطغمة اليمينية البريطانية الحاكمة قد وضعت كلّ رهاناتها المرحلية بشأن مسألة «بريكست» ارتكازاً على توجّهات «الترامبية» السياسية حصراً.
فقبل أربع سنوات، عندما دخل ترامب البيت الأبيض لأول مرّة، نظر إليه العديد من اليمينيين المتطرّفين في حزب المحافظين الحاكم كحليف صلب. وبفضل تأييده الصريح لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعلاقاته الودّية ببوريس جونسون رئيس الوزراء وعدد من الصقور المعادين لبروكسل، أصبحت الولايات المتحدة بإدارة ترامب حجر الرّحى الاستراتيجي للسياسة الخارجية البريطانية التي أرادت إدارة ظهرها للبرّ الأوروبي، وتعويض خسائرها الاقتصادية والجيوسياسية جرّاء ذلك من خلال التشبيك العميق مع الأميركي في السياسة، والأهمّ من ذلك في الاقتصاد، عبر تأمين توقيع اتفاق تجاري تفضيلي بين البلدين، يُوسّع من دائرة التبادل بينهما بشكل نوعي، ويُقلّل من حجم مساهمة الاتحاد الأوروبي الثقيلة في الاقتصاد البريطاني (تتجاوز 51% حالياً).
بفوز بايدن، سيجد طاقم «10 داونينغ ستريت» (مقرّ رئاسة الوزراء البريطانية) نفسه، منذ صباح اليوم، مضطراً إلى العمل المكثّف، ولعدّة أشهر مقبلة، على استكشاف توجّهات الإدارة الجديدة في شأن أوروبا عموماً وبريطانيا تحديداً، ولا سيّما بعدما عجز أيّ مسؤول بريطاني عن مقابلة ولو عضو واحد من فريق السياسة الخارجية لبايدن - الذي، كجزء من استراتيجية الحملة الانتخابية، تَجنّب الاتصال بأيّ حكومات لإزالة أيّ شبهات تدخل أجنبي -، الأمر الذي جعل من الصعب على حكومة جلالة الملكة التخطيط لسيناريوات ممكنة لعالم ما بعد ترامب. ومع وجود «بريكست» في صدارة جدول أعمال الحكومة البريطانية، ورجحان كفّة عدم التوصّل إلى اتفاق ودّي مع بروكسل في شأنه، فإن لندن ترتعد من إمكان فقدان الزخم الآن نحو التوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين.
يسابق المسؤولون البريطانيون عقارب الساعة لصياغة مسوّدة لاتفاق تجاري بين البلدين


مصدر القلق البريطاني ليس متأتّياً لهذه الناحية من انقلاب جذري في العلاقات بين البلدين - والتي هي تاريخياً وأيديولوجياً وعملياً غير قابلة للنقض -، لكن من تراجع أهمية الشأن البريطاني على جدول أعمال الرئيس الجديد، إضافة إلى عوامل موضوعية بحتة، مثل التوقيت مثلاً؛ ففي الولايات المتحدة، سينتهي العمل بقانون يُنظّم عملية التصديق على الاتفاقات التجارية في تموز/ يوليو 2021. وحتى ذلك الحين، تسمح «هيئة تعزيز التجارة» للرئيس بالتعجيل في تمرير الصفقات من خلال الكونغرس بحلول الأول من نيسان/ أبريل المقبل كحدّ أقصى. ولذا، يسابق المسؤولون البريطانيون عقارب الساعة لصياغة مسودة لاتفاق تجاري بين البلدين يمكن أن يحظى بموافقة بايدن، مع ظهور تعقيد إضافي نتيجة حالة التعادل السلبي بين الجمهوريين والديمقراطيين في تركيبة الكونغرس الجديد بعد الانتخابات الأخيرة، ما يعني أن تمرير الاتفاق يمكن أن يقع بسهولة ضحية المماحكات بين الطرفين.
وثمة مسألة أخرى حسّاسة لمستقبل المملكة المتحدة ذاتها، وهي عقدة إيرلندا الشمالية، إذ إن بايدن فخور للغاية بتربيته الكاثوليكية وجذوره الإيرلندية، وبذل الكثير من الجهد لتعزيز موقعه بين الأميركيين - الإيرلنديين خلال الأشهر القليلة الماضية استعداداً للانتخابات، ويعتبره كثيرون الرئيس الأميركي (الأكثر إيرلندية) منذ جون كينيدي. وعلى الرغم من أن نفوذ هذه المجموعة العرقية انخفض منذ غياب كينيدي، فإن ما يقرب من 1 من كلّ 10 أميركيين يزعمون اتصالهم بنسب إيرلندي، وهو ما يُقرأ على أن أيّ قرارات بريطانية مستقبلية في شأن الوضع في الإقليم الشمالي الخاضع للندن لا تحظى بالشعبية بين غالبية الإيرلنديين، قد لا تجد تأييداً لها في البيت الأبيض.
من المؤكد أن بايدن - أقلّه من حيث المبدأ - لن يسمح بالمسّ بـ»اتفاق الجمعة العظيمة» الذي جلب نوعاً من الهدوء للإقليم المتنازع عليه بين المملكة المتحدة وجمهوريّة إيرلندا، وتسعى الأخيرة إلى استعادته بعد سنوات من العنف المتبادل، وهو كان حذّر قبل أشهر من أن يصبح ذلك الاتفاق «ضحية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وقد سبق لبايدن أن أعرب كذلك عن معارضته لمشروع قانون السوق الداخلية الذي تعتزم المملكة المتحدة إقراره، والذي يهدّد بكسر بروتوكول إيرلندا الشمالية الوارد ضمن اتفاق «بريكست» بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويطعن في الشرعية القانونية للقواعد المتفق عليها في شأن الترتيبات الجمركية عند الحدود بين شطرَي إيرلندا. وليس هناك من شكّ الآن في أن التوصل إلى أيّ اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عهد بايدن «يجب أن يكون مرهوناً باحترام (الجمعة العظيمة) ومنع عودة الحدود بين شطرَي إيرلندا - كما تطمح بريطانيا -».
أيديولوجياً، يتموضع بايدن كـ»أطلسي» تقليدي يلتزم بعقيدة سياسة خارجية تكون العلاقات بين الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين في صميمها. لذا، فإن أولوياته من هذا المنظور ستتمحور حول إعادة الدفء إلى العلاقات مع بروكسل أولاً، وقبل كلّ شيء. ومن المتوقع أن يحذو حذو باراك أوباما في جعل برلين علاقته الأساسية في أوروبا، ما يعني ضمناً توسيعاً من دائرة نفوذ بروكسل (أي برلين واقعياً) على حساب الدور البريطاني، وقد تستيقظ لندن صبيحة الـ20 من كانون الثاني/ يناير المقبل، مع تنصيب بايدن، وهي تحتلّ مكانة أكثر تواضعاً مما كانت عليه في أيّ وقت مضى، وربما حتى في «مؤخرة طابور الانتظار».
محلّياً، هذه النكسة الاستراتيجية ستنعكس سلباً على حكومة وشخص جونسون الذي فاز في مقامراته السياسية حتى الآن بالمراهنة ضدّ الاتحاد الأوروبي، وسيكون الفشل في التوصّل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة بمثابة هزيمة محرجة للحكومة، تُهدّد وضع المملكة المتحدة - سياسة واقتصاداً - على الصعيد الدولي، وستطيح ما قد تَبقّى من تأييد للمحافظين في الداخل، حتى في أوساط اليمين نفسه.
يا لها من ورطة!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا