لا أحد يجيد التعامل مع الأرقام أفضل من واشنطن، التي تحيل ضحايا الحروب والنزاعات إلى مجرّد أعداد وأحياناً خسائر جانبية. هذا ما يبيّنه السياق المضني، وما جدّد الالتزام به المبعوث الأميركي إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، بإعلانه، يوم أمس، تحقيق «خرقٍ» من شأنه أن يكسر مراوحة المفاوضات الأفغانية ـــ الأفغانية المُنعقدة في الدوحة القطريّة منذ منتصف الشهر الماضي. خرقٌ حدث في أعقاب اتفاق الولايات المتحدة وحركة «طالبان»، بعد عدّة اجتماعات شارك فيها قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال سكوت ميللر، على خفض عدد القتلى، لإعطاء دفعٍ لعملية السلام. وكتب خليل زاد عبر «تويتر»: «اتّفقنا على الاحترام الصارم لتنفيذ كل بنود الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان» الذي أُبرم في 29 شباط/ فبراير، «وكل الالتزامات التي تمّ التعهّد بها»، مضيفاً أن «هذا الأمر يعني تقليص عدد العمليات». واستطراداً لفت إلى أنه «في الوقت الحالي، يموت عدد كبير من الأفغان. ومع إعادة ضبط الوضع هذه، نتوقّع انخفاضاً كبيراً في عدد» القتلى.

لا شكّ في أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تستعجل إغلاق هذا الملف المتشابك، ما يسمح لها بسحب مزيد من القوّات قبل تَسلّم الرئيس المقبل مقاليد السلطة في 20 كانون الثاني/ يناير 2021. يدلّ على ذلك عزم ترامب تسريع الجدول الزمني لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وإعادة القوات الأميركية إلى البلاد «بحلول عيد الميلاد»، وفق ما أعلن أخيراً. إعلانٌ اشترط رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي، الجنرال مارك ميلي، لتنفيذه، أن تُخفض «طالبان» منسوب العنف. وشدّد في مقابلة أجرتها معه محطة «ان بي آر» الإذاعية، قبل أيام، على أن سحب الدفعة الأخيرة من القوات الأميركية، وقوامها 4500 جندي، يتوقّف على التزام الحركة بالحدّ من هجماتها، والمضي قُدماً في محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية. النقطة الأساسية، بحسب ميلي، «هي أنّنا نحاول إنهاء حرب بحسّ من المسؤولية وتَروٍّ، وأن ننجز ذلك بشروط تضمن سلامة المصالح الحيوية للأمن القومي الأميركي، والتي هي على المحكّ في أفغانستان».

تُصدر واشنطن إشارات ملتبسة بخصوص سحب قواتها من أفغانستان


بحسب جدول الانسحاب يُفترض أن ينخفض عديد القوات الأميركية في أفغانستان إلى 4500 عنصر بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر، يعتزم «البنتاغون» إبقاءهم حتى العام المقبل لمراقبة كيفية تقدّم المفاوضات في الدوحة. لكن واشنطن تُصدر في هذا الخصوص إشارات ملتبسة. فمستشار الأمن القومي الأميركي، روبرت أوبراين، قال إن عديد القوّات سينخفض إلى 2500 في بداية العام المقبل، قبل أن يطلق ترامب مفاجأته التي شكّلت «صدمة» بالنسبة إلى الحكومة الأفغانية. في هذا الإطار، رأى رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية التابع للحكومة الأفغانية، في حديث إلى صحيفة «فايننشال تايمز»، أن تعهّد الرئيس الأميركي يعطي «طالبان» اليد الطولى في مفاوضات السلام، معتبراً أن الحركة «قد ترى ذلك في مصلحتها»، وتعود بالقوّة في حالة انسحاب الولايات المتحدة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا