كثيرةٌ هي تحدّيات الحوار الأفغاني، بدءاً من إمكانية التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار، وصولاً إلى وضع خريطة طريق سياسية تُحدِّد طبيعة النظام في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي المُنتظر إتمامه منتصف العام المقبل، وفق ما نصّ عليه اتفاق الولايات المتحدة وحركة "طالبان"، الذي مهّد الطريق لمفاوضات السلام الأفغانية المُنعقدة في الدوحة. وغداة يومٍ أوّل كشف هشاشتها، فضلاً عن أنه جلّى وجود اختلافات عميقة في مقاربة المشاكل والحلول لدى الممثّلين عن الحركة الأفغانية ونظرائهم في الوفد الحكومي، لا يُتوقّع حدوث انفراجات كبيرة في الجولات الأولى من المحادثات، إلا أن بداية الحوار تُعدُّ أمراً أساسياً للحفاظ على بقاء هذه العملية على المسار الصحيح، في خلال حملة انتخابات الرئاسة الأميركية؛ ذلك أن إدارة دونالد ترامب حريصة على استخدام إنجارها هذا لتعزيز فرص الرئيس الانتخابية. وبالنظر إلى التحدّيات الكثيرة، أقرّ المفاوضون في الجلسة الافتتاحية، أول من أمس، بأن المحادثات ستكون طويلة ومعقّدة؛ إذ لا يُستبعد أن يستغرق التوصّل إلى اتفاق سلام شامل سنوات، وخصوصاً في ظلّ إصرار حكومة الرئيس الأفغاني، أشرف غني، على "سلام دائم" يحفظ "إنجازات الأعوام الـ 19 الماضية".

بعيد انطلاق المفاوضات الأفغانية، دعت حكومة كابول وحلفاؤها، بمَن فيهم الولايات المتحدة، إلى وقف إطلاق النار. وتوقّع المسؤول الحكومي المكلّف الإشراف على عملية السلام، عبد الله عبد الله، في مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، أن توافق "طالبان" على هذا البند في مقابل عملية إطلاق سراح جديدة لسجناء من عناصر الحركة، التي أعلنت، بدورها، في ما قالت إنه "بادرة حسن نية"، الإفراج عن 22 جندياً أفغانياً لمناسبة بدء المحادثات، وفق الناطق باسمها ذبيح الله مجاهد. واشترط عبد الله أن "يكون هناك خفض كبير للعنف، ثمّ وقف إطلاق نار لأسباب إنسانية، يليه وقف دائم لإطلاق النار على مستوى البلاد". ومنذ الجلسة الافتتاحية، تقدّم كبير المفاوضين الأفغان بالمطلب الرئيس لكابول، أي "وقف إطلاق النار"، وهو ما تحذّر منه الحركة؛ إذ إن من شأن ذلك سحب نقطة القوّة الأبرز لديها في هذه المفاوضات. من هنا، تبنّى المسؤول في "طالبان" وأحد مؤسّسيها، الملا عبد الغني برادر، مقاربةً مختلفة إزاء هذه النقطة الشائكة. وفي ما قد يشكِّل نقطة خلاف أخرى في هذه المفاوضات، شدّد برادر أمام المجتمعين على أن أفغانستان يجب أن تكون بلداً مستقلاً بنظام إسلامي. من جهته، بدا المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، متحفّظاً في البداية، قبل أن يبدي بعض التفاؤل، إذ قال إن بلاده تأمل أن "ينخفض العنف فوراً، وأن يسري وقف لإطلاق النار، أو محادثات حول وقف إطلاق النار، وأن يتمّ التوصل في الختام إلى اتفاق حول خريطة طريق سياسية، ولكن أيضاً حول وقف إطلاق نار دائم".

تعتزم واشنطن استخدام المساعدات التي تقدّمها لأفغانستان كوسيلة ضغط من أجل إبرام اتفاق


وبينما تستعدّ لجان فنية من الجانبين لوضع جدول أعمال للمحادثات، تستمرّ أعمال العنف على الأرض. وبحسب مسؤولين، فإن ستة عناصر شرطة قتلوا في هجوم لـ"طالبان" في ولاية قندوز ليل السبت - الأحد، بينما قتل خمسة عناصر في هجوم آخر في ولاية كابيسا. وأدّى انفجار لغم في كابول إلى إصابة اثنين من المدنيين، بينما لم يُسجّل سقوط ضحايا بانفجار آخر في العاصمة. انطلاقاً من هنا، أكد عبد الله، الذي يترأس "المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية" في أفغانستان، أن "التسبّب بإراقة المزيد من الدماء (خلال المحادثات) هو سوء تقدير. من المستحيل أن يكسب طرف واحد الحرب".
الحاضر الأبرز في حفل الافتتاح، كان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي لم يغفل في كلمته الإشارة إلى "العديد من التحدّيات التي سنواجهها خلال الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة. تذكّروا أنكم تعملون ليس فقط من أجل هذا الجيل من الأفغان، بل من أجل الأجيال القادمة أيضاً". لكن حكومة الرئيس الأميركي أكّدت أنها تعتزم استخدام المساعدات التي تقدّمها لأفغانستان كوسيلة ضغط من أجل إبرام اتفاق، إذ يحرص ترامب، الساعي إلى إعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة، على أن يكون هو شخصياً الرئيس الذي أنهى أطول حربٍ تخوضها الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، حذّر بومبيو مِن أن حجم المساعدات الأميركية المستقبلية ونطاقها لأفغانستان، التي تعتمد بشدّة على التمويل الدولي، سيتحدّدان وفقاً "لخياراتهم وسلوكهم". وقال: "عندما تتّخذون قراراتكم، يجب أن تضعوا في الاعتبار أن اختياراتكم وسلوككم سيؤثّران على حجم المساعدة الأميركية المستقبلية ونطاقها".

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا