المناورة العسكرية المشتركة بين تركيا وقبرص الشمالية التركية، والتي حملت اسم "عاصفة المتوسط"، لم تكن الأولى بين الطرفين، بل هي مناورات روتينية برية وبحرية وجوية تجري سنوياً. لكن حصولها هذه السنة وسط مناخات عالية من التوتر في شرق المتوسط حمل رسائل إضافية ضمن الرسائل المتعددة التي ما فتئت تركيا ترسلها منذ ظهور التوتر مع اليونان ومن خلفها فرنسا.

لم يكن بالإمكان تأجيل هذه المناورات لأن ذلك سيفسّر ضعفاً لتركيا وليس مرونة أو حسن نية. يقول قائد البحرية التركية السابق جهاد يايجي، في حوار مع صحيفة "حرييت"، إن تأجيل المناورات لو حصل كان سيخلق مشكلة ويوجه رسائل ليست في صالح تركيا. لذا، فإن المناورات تهدف إلى إبقاء الجاهزية العسكرية للجيش التركي ولقبرص التركية قائمة لمواجهة أي وضع مستجد. وهي رسالة ثقة للصديق ورسالة رعب للعدو. رغم كل قرقعة السلاح والحشد المتبادل واستعراض حاملات الطائرات الفرنسية، فإن التوتر، برأي يايجي، لن يصل إلى حد اندلاع حرب بين تركيا واليونان. يقول يايجي إن تركيا تتفوق كثيراً على اليونان. الجيش التركي خاض معارك كثيرة في أكثر من جبهة، فهو جيش محارب بخلاف الجيش اليوناني الذي لم يخض أي حرب منذ عقود. ويقول يايجي إنه لا يمكن لليونان في ظل اختلال التوازن أن تفكر في أي حرب، لأن أي حرب لن تكون ساحتها شرق المتوسط بل الجزر اليونانية، وفي ذلك ضرر بالغ على اليونان. ويقول إن المناورات لو حصلت قبل سنة لما كان ممكناً أن توصف بأنها تحريضية، مطمئناً الشعب التركي إلى أن منطقة البحر المتوسط "هلال (بالهاء) لنا مثل حليب الأم الأبيض".
ويرى الجنرال المتقاعد إراي غوتشلوير أن المناورات العسكرية في الأساس هي إحدى أدوات القوة الداعمة لـ"السياسات السياسية" للدول (ومن ذلك إظهار الصحافة التركية صوراً لعشرات الدبابات التركية تنتقل من الريحانية عند حدود إدلب إلى أدرنة في اتجاه الحدود اليونانية). ويقول إن تركيا تخوض معركة جيوبوليتيكية جدّية إلى أقصى درجة. ويعتبر أن تركيا تنقّب عن النفط والغاز الطبيعي وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي. لكن بعض الدول المتشاطئة في المتوسط مثل اليونان ومصر وإسرائيل، وغير المتشاطئة مثل فرنسا والإمارات العربية المتحدة وروسيا، يعمل على أن يكون له مكان في هذه المعركة الجيوبوليتيكة. وتركيا في سعيها للمحافظة على مصالحها وحقوقها في مجال الطاقة، مصمّمة على ذلك ولن تتردد في الاستعانة بالقوة العسكرية لحماية "سياساتها السياسية ذات البعد الطاقوي". واعتبر غوتشلوير أن المناورات مع قبرص التركية هي الرد الأقوى حتى الآن على استقدام فرنسا أكبر حاملة طائرات عندها، وهي "شارل ديغول"، إلى شرق المتوسط. وقال إن إظهار القوة العسكرية واستخدام تركيا لقبرص التركية قاعدة لعملياتها يضمنان لتركيا تفوقاً استراتيجياً. وهذه المناورات هي رسالة مهمة من تركيا وقبرص التركية إلى اليونان وقبرص اليونانية ومصر وإسرائيل وفرنسا والإمارات والسعودية.
ويصف غوتشلوير المناورات التي أجرتها روسيا أخيراً قرب مناطق التوتر في المتوسط بأنها اعتراف ضمني لروسيا بحقوق تركيا في تلك المناطق. ويقول إن مصالح روسيا المحاصرة من قبل الغرب تقتضي التقارب مع تركيا على خط ليبيا - شرق المتوسط - قبرص - سوريا. ويمكن في الفترة المقبلة أن تنفتح مجالات جديدة للتعاون بين تركيا وروسيا.
ويرى الجنرال المتقاعد جيم غوردنيز أن اليونان، من زاوية القدرة العسكرية، ليست هي البلد الذي تخاطبه تركيا. لكن اليونان وقبرص اليونانية تريدان محاصرة تركيا التي تتحول من لاعب إقليمي إلى قوة إقليمية، ويتم استخدامهما من قبل المنظومة الأوروبية - الأطلسية، وهذا جوهر الأمر. لكن غوردنيز يرفض حصر الصراع مع اليونان في بعده الطاقوي. ويقول إن الغرب وأوروبا و"الأطلسي" أظهروا أخيراً الخريطة الشهيرة المسماة "سيفيللا" (إشبيلية) التي تحصر تركيا في الأناضول. ورغم تبرّؤ الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزف بوريل منها، فإنها تُتداول في معظم المنتديات الأوروبية والمواقع الإلكترونية التابعة للاتحاد الأوروبي. وهي خريطة تضيّق حدود تركيا البحرية في المتوسط وإيجه. وقد وضع الخريطة الإسباني خوان لويس سواريز دو فيفيرو من جامعة إشبيلية، لذلك نسبت الخريطة إلى الجامعة. وهي خريطة اعتمدها الاتحاد الأوروبي على أنها حدوده الاقتصادية الخالصة بعد ترسيم قبرص اليونانية حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة، لكون قبرص اليونانية عضواً في هذا الاتحاد. ووفق هذه الخريطة تبدأ حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان من جزيرة "مايس" بمواجهة الساحل التركي الجنوبي عند خليح أنتاليا، وصولاً إلى عمق شرق المتوسط. وبهذه الخريطة تنحصر المياه الإقليمية التركية بستة أميال، فيما يبقى القسم الأعظم من المنطقة البحرية بيد اليونان. ويقول غوردينز إن هذه ليست فقط خريطة طاقة بل خريطة جيوبوليتيكة تهدف إلى خنق تركيا وقطعها عن البحر المتوسط وبحر إيجه.

تُستخدم اليونان وقبرص لمحاصرة تركيا التي تتحول من لاعب إقليمي إلى قوة إقليمية

ويتوقع أنه في حال اندلاع حرب مع اليونان فإن هذه ستخسر كل ما أخذته من تركيا من مكاسب على امتداد العقود الماضية. ويقول إن اليونان تدرك ذلك، لكنها قبلت بأن تلعب الدور الدنيء الذي رسمه لها الغرب بتمزيق تركيا وإظهارها بلداً ينتهك القانون الدولي. وشبّه غوردنيز الوضع في المتوسط وإيجه بماراتون، وتركيا لن تغادر أبداً هذا السباق. ويستبعد غوردنيز احتمال أن تلجأ اليونان إلى الحرب، لأنها في وضع اقتصادي صعب وديونها تتضاعف، فيما تركيا تلعب دور الدولة العظمى.
وعن الأوراق التي تمتلكها تركيا بوجه اليونان، عدا القوة العسكرية، يقول غوردنيز إنها كثيرة، وهي لم تستخدم منها بعد أيّ ورقة. يقول بوريل إن الاتحاد الأوروبي في حال لم تلتزم تركيا بشروطه حول التهدئة مع اليونان حتى 25 أيلول/سبتمبر الجاري فسوف تفرض عليها مقاطعة. وحينها يمكن لتركيا أن تمنع اليونان وقبرص اليونانية من المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل. كما ستعتبر تسليح اليونان للعديد من الجزر المواجهة لتركيا انتهاكاً لاتفاقية لوزان وتهديداً لتركيا. وستشكو اليونان إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة. وفي اللحظة التي تضع تركيا يدها على الزناد ضد تحريض اليونان وفرنسا والاتحاد الأوروبي سينهار "الأطلسي". يرى غوردنيز أن انهيار "الأطلسي" هو مكسب كبير لروسيا والصين وخسارة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وإذ يذكّر غوردنيز بأن 65 في المئة من تجارة روسيا الخارجية تمر عبر المضائق وبحر إيجه، فإن روسيا مضطرة ومن مصلحتها التعاون مع تركيا.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا