لندن | يُنقل جوليان أسانج (49 عاماً)، الصحافيّ الأسير لدى السلطات البريطانيّة، اليوم، من سجن بلمارش شمال لندن للمثول أمام محكمة ستبدأ النظر في طلب أميركي مفصّل لتسليمه إلى الولايات المتحدة تمهيداً لمحاكمته هناك، وفق قائمة طويلة من التهم يصل مجموع عقوباتها، حال إدانته، إلى 175 عاماً، من دون أمل بالإفراج عنه نهائياً.

الشرطة البريطانية كانت اعتقلت مؤسس موقع «ويكيليكس»، الأسترالي الجنسية، في نيسان/أبريل العام الماضي لحظة خروجه مرغماً من مقر سفارة الإكوادور لدى حكومة جلالة الملكة، بعد سبع سنوات قضاها هناك لاجئاً سياسياً في ظروف قاسية وتحت رقابة تامّة غير مشروعة من قبل الاستخبارات المركزية الأميركية تعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي. وقالت السلطات البريطانية وقتها إنّ أسانج سيحاكم على كسره لكفالة قانونية في العام 2012 عندما كان مطلوباً للمثول أمام القضاء السويدي بتهم اعتداءات جنسية ضد سيدتين تبيّن أنها ملفقة (أسقطتها السويد رسمياً في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 من دون توجيه أي تهم).
وكان أسانج، الذي كشف للعموم في 2010 عن كمّية ضخمة من الوثائق الرسمية الأميركية ذات الطابع الشديد السرّية، قد لجأ خوفاً على حياته إلى مقر سفارة الإكوادور وطلب اللجوء السياسي إليها. وقد وافقت الحكومة الإكوادورية، المناهضة وقتها للولايات المتحدة، على استضافة أسانج، بينما أصرّ البريطانيون على اعتقاله وفرضوا حصاراً تاماً على السفارة استمر لسبع سنوات، قبل أن تقرر سلطات الإكوادور الجديدة، العميلة للولايات المتحدة، طرده منها. وقد سارعت عندها واشنطن إلى تقديم طلب مبدئي عاجل إلى القضاء البريطاني بتسليم أسانج إليها، ألحقته لاحقاً بقائمة مفصّلة بـ 18 تهمة تتعلّق بمساعدته للمجنّدة الأميركيّة – السابقة - تشيلسي ماننيغ على كسر بروتوكول كلمة المرور لأجهزة حاسوب فدرالية، والتآمر معها عبر موقع «ويكيليكس» الشهير لنشر وثائق رسمية عالية السرّية.
ويرسم مجموع المواد المسرّبة، التي نشر بعضها في الصحف كما في كتاب لأسانج وتتوافر على موقع «ويكيليكس» للعموم، صورة قاتمة متخمة بالجرائم والتآمر عن طريقة عمل الإمبراطورية الأميركية وأساليبها القذرة في تمديد هيمنتها على الشعوب. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت شريط فيديو يكذّب كل التصريحات الرسمية الأميركية وشهادات الصحافيين الملحقين بالجيش بشأن جريمة حرب قتل فيها بلا أيّ داع عشرات المدنيين العراقيين، بمن فيهم مراسل لوكالة «رويترز» للأنباء وسائقه. وأظهر الشريط حقيقة الحادثة واستخفافاً غير معقول بحياة المدنيين من قبل طاقم المروحية العسكرية الأميركية الذي ارتكب الجريمة.
ويبدو أن السلطات الأميركية، رغم كل شيء، لا تمتلك دليلاً قاطعاً على التهم الموجهة إلى أسانج، ولذا فقد أعادت ومن دون أي سند قانوني اعتقال المجندة السابقة ماننيغ، بعد أن كانت خرجت بعد سبع سنوات من السجن بعفو خاص من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتضغط عليها الآن بشدة للشهادة ضد أسانج أمام المحلّفين، لكن من دون نجاح ذلك حتى الآن.

يقول فريق الدفاع إنه لم يحظ بأي فرصة حقيقية لإعداد دفاعه


ويقول فريق الدفاع عن أسانج إن الرجل لم يحظ بأي فرصة حقيقة لإعداد دفاعه ضد قائمة التهم الأميركية، وإنّه معرّض للإصابة بفيروس «كورونا» المتفشي في بريطانيا، ويعيش ما يشبه حالة تعذيب سيكولوجي مكثّف، وفق أحد خبراء الأمم المتحدة، وحرم من حقوقه القانونية ورفضت عدّة طلبات لإخلائه بكفالة، ولم يسمح له بالالتقاء بشريكته السيّدة ستيلا موريس وأولادهما الصغار (ماكس، سنة واحدة، وجابرييل، ثلاث سنوات) إلا قبل أسبوعين. وقالت السيّدة موريس، إثر مغادرتها مبنى السجن وقتها، إن «جوليان يتألّم بشدّة» ويعاني من شحوب ونقصان في الوزن، وتردّ عام في صحته وقدراته الإدراكيّة.
وتُظهر الحكومة الأسترالية، المعروفة بأنها خاضعة للرغبات الأميركية، إهمالاً متعمّداً لقضية مواطنها الأسير، فيما القاضية البريطانية التي تتولى النظر في ملف التسليم متزوجة من مقاول تعمل شركته بكثافة مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، وهي مستمرّة في منصبها رغم تعارض المصالح الفاضح، فيما يسيطر اليمين البريطاني على مفاصل الحكم في المملكة، ولن يضيّع فرصة تاريخيّة مثل هذه لإبداء الولاء لسادة البيت الأبيض. ولذا، فإن أكثر المراقبين تفاؤلاً في لندن لا يجد بداً من الإقرار بأن الصحافي الأسير إن نجا من الاغتيال بطريقة غامضة خلال وجوده في سجن بلمارش، فسيسلّم إلى واشنطن وسيواجه حتماً مصيراً معتماً أمام القضاء الأميركي الذي لا يثق به الأصدقاء قبل الأعداء.
مشاركة أنظمة في الغرب، ولا سيّما بريطانيا وأستراليا والسويد إلى جانب الولايات المتحدة، في الـتآمر على أسانج ومحاولة تصفيته أو تغييبه ليست مستغربة بالطبع، لكن المذهل بحق هو المشاركة، فاعلة أو سلبيّة، للصحافة العالميّة، أفراداً ونقابات، والأكاديميين والمؤرخين ومنظمات حقوق الانسان الدولية والمحلّية في هذه الجريمة العلنيّة المستمرّة يوميّاً منذ 10 سنوات، إذ أصاب الصمت القطاع الأعرض من الإعلاميين بشأن قضيّة أسانج، فيما شارك بعضهم بكثافة في محاولة اغتيال منظّمة لشخصيته ولموقع «ويكيليكس»، وتبرير سلوك السلطات ضدّهما، ونشر الأكاذيب عنهما، بل وفي حالة صحيفة «ذا غارديان» البريطانية التطوّع لتقديم معلومات عن أسانج سهّلت الكشف لاحقاً عن طريقة حصوله على الوثائق السرّية ونشر تلفيقات الاستخبارات المركزية الأميركية عنه. ولم يجد أغلب المؤرخين والصحافيين الاستقصائيّين أو منظماتهم أي داع للتضامن مع الرجل الذي قدّم للحقيقة وللتاريخ أضخم ملف وثائق عن الطرائق الفعليّة لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم.
الإصرار الأميركي الحازم على «صلب» أسانج وتغييبه إلى الأبد يكتسب بشكل متزايد طابعاً انتقامياً بحتاً لا يمكن تفسيره قانونياً أو سياسياً إلا بسعي الأجهزة الأميركية إلى إنهاء «الحالة الويكيليكسية» بوصفها تهديداً دائماً لمصالح الولايات المتحدة وأساليب عملها الإجراميّة، كما إذلال الرجل شخصياً ليكون أمثولة علنيّة على مصير كل إعلامي أو صحافي أو مؤرّخ يتجرّأ على كشف جرائم السلطات.
لقد تخلّى العالم عن الصحافي النبيل وتركه وحيداً لخصمه الحكم أضحية على نصب أوهام الديموقراطية وقيم الغرب والحرّيات وحقوق الانسان والقانون الدولي وسيادة الدول وسلطة الصحافة وسرديّات التاريخ الرسمي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا