في خطوةٍ غير مسبوقة، أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في الثاني من الشهر الجاري، إدراج كلٍّ من المدّعية العامة لـ»المحكمة الجنائية الدولية»، فاتو بنسودا، ومدير إدارة الاختصاص والتكامل والتعاون في المحكمة، فاكيسو موشوشوكو، على لائحة العقوبات الأميركية، لدورهما في التحقيق المتواصل في احتمال ضلوع جنود أميركيين في ارتكاب جرائم حرب وأخرى ضدّ الإنسانية في أفغانستان. وبموجب القرار، سيُصار إلى تجميد أصولهما في الولايات المتحدة إن وُجدت، وسيُمنعان من دخول النظام المالي الأميركي.

بإعلان بومبيو الانتقال من «الأقوال إلى الأفعال (...) لأن المحكمة الجنائية الدولية تواصل للأسف استهداف أميركيين»، وتأكيده أن «كلّ فرد أو كيان يواصل مساعدة» بنسودا وموشوشوكو «سيواجه عقوبات أيضاً»، وخصوصاً أن بلاده «لن تتسامح مع المحاولات غير المشروعة لإخضاع الأميركيين لتشريعات المحكمة»، يكون الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب في الحادي عشر من حزيران/ يونيو الفائت وأجاز بموجبه فرض عقوبات اقتصادية تشمل توسيع القيود على تأشيرات الدخول لمسؤولي المحكمة المشاركين في التحقيق «حول عسكريين أميركيين، أو توجيه اتهام إليهم، من دون موافقة الولايات المتحدة»، دخل حيّز التطبيق. وفي حين أن القرار لم يكن مفاجئاً، بالنظر إلى الإجراءات التصاعدية التي اتّبعتها الإدارة الحالية في ما يخصّ هذه القضية، وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، ولم تقبل أبداً اختصاص «الجنائية الدولية» على موظفيها، يكون لحرب واشنطن الصريحة ضدّ المحكمة أكثر من بعد. فقرار ترامب السالف هدف أولاً إلى تهديد المحكمة وتذكيرها بأن العقوبات قادمة لا محالة فيما لو واصلت التحقيق في شأن احتمال ارتكاب قوّات الاحتلال الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية جرائمَ حرب في أفغانستان، عبر تذكيرها بأن الموظفين الأميركيين ليسوا من ضمن اختصاصها، وبأن ما تفعله «يهدّد (...) بخرق سيادة الولايات المتحدة وإعاقة عمل الأمن القومي والسياسة الخارجية»، ويشكل تالياً حالة طوارئ وطنية. كذلك، تستهدف الخطوات الأميركية ضمان كفّ يد المحكمة عن التحقيق الذي تجريه في جرائم حرب محتملة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بحق فلسطينيين. وهو ما أكّده البيت الأبيض، من خلال إشارته، سابقاً، إلى أنه «رفض مراراً» مساعي المحكمة إلى توسيع نطاق عملها بحيث يشمل التحقيق مع عسكريين أميركيين، وحديثه عن كون «الجنائية الدولية تواصل القيام بتحقيقات بدافع سياسي ضدّنا أو ضدّ حلفائنا، وبينهم إسرائيل».

بومبيو: لن نتسامح مع المحاولات غير المشروعة لإخضاع الأميركيين لتشريعات المحكمة


وإلى عدائها المؤسسات الدولية التي يعارضها ترامب و»الجناح السيادي» في معسكر المحافظين، فإن تصعيد الإدارة الأميركية جاء في إطار الردّ على قرار استئنافي اتّخذته المحكمة في آذار/ مارس الماضي. قرارٌ يجيز للمدعية العامة في المحكمة فتح تحقيق في شأن احتمال ارتكاب قوات الاحتلال الأميركية، ووكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»، جرائمَ حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في أفغانستان، تتعلّق «بالتعذيب والمعاملة القاسية وإهانة كرامات الأشخاص والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي ارتُكبت في سياق نهج سياسي من جانب عناصر في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية». وكانت المحكمة قد دانت في حزيران/ يونيو «سلسلة من الهجمات غير المسبوقة» ضدّها، وشددت على استقلاليتها، فيما لفتت في بيانها الأخير إلى أن «هذه الأعمال القمعية الموجّهة ضدّ مؤسسة قضائية دولية ومسؤوليها غير مسبوقة وتشكّل هجمات خطيرة على المحكمة وعلى نظام روما الأساسي للقضاء الجنائي الدولي وسيادة القانون بشكل عام». ورفض رئيس هيئة الدول الأطراف في المحكمة، القاضي أو غون كوون، «الإجراءات غير المسبوقة وغير المقبولة ضدّ منظمة دولية تأسّست بموجب معاهدات»، معتبراً أن العقوبات الأميركية «لا تؤدي سوى إلى إضعاف جهودنا المشتركة لمحاربة الإفلات من العقاب لفظائع جماعية»، فيما رأى ريتشارد ديكر من منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن هذه الإجراءات العقابية «تمثّل تحريفاً مفاجئاً للعقوبات الأميركية التي يفترض أن تعاقب الذين ينتهكون حقوق الإنسان والكليبتوقراط (السياسيين الذين يستخدمون نفوذهم للاستيلاء على أملاك)، وتستخدم هنا لملاحقة المكلفين محاكمة الجرائم الدولية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا