لندن | في مؤتمر صحافي أنجز على عجل (صباح الجمعة 28 آب/أغسطس)، ومن دون استشارة أحد، أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي (65 عاماً) استقالته من منصبه لأسباب صحّية، وذلك قبل سنة من نهاية فترة ثالثة لرئاسته حزبه (أيلول/سبتمبر 2021). سيستمر شينزو، دستورياً، في أداء مهمته لفترة انتقالية ريثما يختار الحزب الليبرالي الديموقراطي (يمين محافظ) الحاكم خليفة له، في تصويت داخلي يتوقّع أن يجرى نهاية أيلول/سبتمبر المقبل. ويسيطر الحزب على أغلبيّة الثلثين في البرلمان، ما ينفي الحاجة إلى التشاور مع أي من الكتل السياسية الأخرى في البلاد بشأن شخص الرئيس الجديد. وعُلم في طوكيو أن خيارات الحزب لن تخرج عن خمسة أسماء من الحرس القديم، أبرزها تارو آسو القائم بأعمال نائب رئيس الوزراء ورئيس وزراء سابق، وسوغا يوشيدي سكرتير مجلس الوزراء، وهما من الموالين للرئيس المستقيل. وسيتم التنافس بين المرشحين على أسس شخصية محضة، بحكم أن أيّاً منهم لا يمتلك برامج سياسية أو حتى رؤية مختلفة لمستقبل اليابان. وسيكمل الرئيس الجديد ما تبقى من فترة رئاسة شينزو للحزب، ويتعيّن عليه لذلك خوض انتخابات داخليّة مجدداً بعد سنة من الآن للفوز بثقة الحزب لثلاث سنوات تالية.

ويعاني شينزو من مرض عضال في أمعائه كان أحد أسباب تركه منصب رئيس الوزراء في خدمته الأولى الوجيزة (2006 – 2007). ويبدو أن الأعراض عاودته بشدّة خلال الأسبوع الماضي، ونقل بشكل عاجل إلى المستشفى مرّتين. ويتطلب علاجه الآن متابعة مكثّفة يمكن أن تتعارض مع واجباته الرسمية، وفق ما أخبر الصحافيين.
ويعدّ شينزو، الذي حكم في فترته الثانية لثمانية أعوام إلى الآن منذ 2012، رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ اليابان منذ تأسيس المنصب نهاية القرن التاسع عشر. وذلك استثناء لافت في بلد غيّر قبله ستّة من رؤساء الوزراء في أقل من ستة أعوام، ووفّر بالفعل فترة استقرار نسبي احتاجت إليها بلاد الشمس المشرقة للتعافي من تبعات تلاحق زلزال عنيف، وتسونامي، وكارثة تسرّب نووي.
لكن نجاح شينزو في الاحتفاظ بمنصبه خلال الفترة الماضية ربّما سيذكر كإنجازه الوحيد على رأس الحكومة، إذ فشل في تحقيق أي من برامجه المعلنة، سواء في السياسة أو في الاجتماع أو في الاقتصاد. فهو سياسياً لم يتمكّن، رغم سيطرة حزبه شبه التامّة على البرلمان، من تعديل الدستور المدجّن الذي وضعه الأميركيون للبلاد بعد احتلاهم لها إثر هزيمة الحرب العالميّة الثانية، ولا نجح في إقناع روسيا بإعادة الجزر الشمالية من أرخبيل اليابان، والتي سيطر عليها الجيش الأحمر وبقيت في عهدة موسكو منذ 1945، أو حتى في استعادة الأسرى اليابانيين من كوريا الشمالية. بل وتسبب في تردٍ غير مسبوق في العلاقات (الحسّاسة أصلاً) مع الجار العملاق، الصين، كما مع الكوريتين، بعد زيارة مثيرة للجدل قام بها إلى نصب في العاصمة طوكيو يعدّه الكثيرون بمثابة رمز للمجد العسكري الياباني في العهد الإمبراطوري، الذي دفعت ثمنه غالياً شعوب الجيران. وفي المسائل الاجتماعية، عجزت حكومته عن تحديث نظام العمل والاستخدام، وفاقمت بسياساتها المنحازة للشركات الكبرى وأصحاب العمل مصاعب حياة الموظفين والمستخدمين بعقود مؤقتة، بينما أكثر من 11 مليوناً من اليابانيين يعيشون على أقل من 17,000 دولار سنوياً، ولم تتمكن من فعل الكثير لمواجهة ارتفاع نسبة كبار السنّ من السكان (28 في المئة من اليابانيين فوق الـ 65)، وأصبحت وعودها بتحسين مكانة المرأة في المجتمع (الشديد الرجعيّة في ما يتعلق بالأدوار الجندريّة) مثاراً للسخرية والتندّر.

أقل هموم رئيس الوزراء الياباني المقبل ستكون المعارضة الداخلية


لكن فشل سياساته الاقتصادية النيوليبرالية (التي تسميها الصحافة «الآبينومينكس») يظل المساحة الأكثر ظلمة في سجله. فهو بسياسات الدعم الحكومي أثرى الأثرياء وأفقر الفقراء، ومنح الشركات الكبرى أكواماً من النقد لم يمكن الاستفادة منها للاستثمار في زيادة الإنتاج بسبب ضعف فرص التصدير وسعي أصحاب رؤوس الأموال إلى تبنّي النموذج الأميركي في نقل العمليّات الانتاجيّة برمّتها إلى الدول الناميّة، كما عجزت الحكومة كلياً عن التحكم في نسبة التضخّم لتحفيز الاستهلاك المحلي، وسجّل اقتصاد البلاد نموّاً سلبياً في ظل انتشار فيروس «كورونا» اقترب من (- 10 في المئة) وفق بعض التقديرات. ومن المتوقع أن يتفاقم الانكماش خلال الشهور القليلة المقبلة إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن 20 سنة مفقودة من الاقتصاد الياباني، بدلاً من 10 سنوات وقت تسلّم شينزو السلطة.
في المقابل، كان الأميركيّون يرون في رئيس الوزراء المستقيل شريكاً مثالياً لهم في إدارة اليابان (يسمّونه آبي تحبّباً). فهو لم يتمكن فقط من كسب ودّ صاحب البيت الأبيض الشديد التقلّب، بل وحاز تقدير البنتاغون أيضاً بعد أن مرّر تعديلاً دستوريّاً يسمح لقوات الدفاع الذاتي الياباني (الجيش)، وللمرّة الأولى منذ 75 عاماً، بالمشاركة في مهمّات «لحفظ السلام» خارج أراضي الأرخبيل، ولعب في الإطار الدولي دور التابع للسياسات الأميركية كما يليق تماماً بحكومة خاضعة للاحتلال. ولا يتورع خبراء واشنطن وأبواقها الإعلامية عن كيل المديح له بوصفه بأفضل رئيس وزراء ياباني في العقود الأخيرة.
ولعل فشل الشينزوية الذريع هذا يمكن أن يفسّر جزئياً بغياب أي معارضة فعليّة لهيمنة الحزب الليبرالي الديمقراطي على السلطة (وهو حزب تسيطر عليه عناصر شوفينيّة محافظة)، إذ ثاني أكبر أحزاب البلاد (الحزب الديموقراطي الياباني) ليس إلا تلفيقاً عديم المعنى من سياسيين تركوا الحزب الحاكم نتيجة صراعات مراكز القوى، ومنشقين يمينيّي الهوى من ثالث أحزاب البلاد (الحزب الديموقراطي الاجتماعي). والأخير هو «مسخ» ورث حزب اليابان الاشتراكي (الذي كان في وقت ما حزباً للعمّال) وليس له وجود فعلي خارج منطقة أوكيناوا. أمّا الحزب الشيوعي الياباني (الذي يدعو إلى ثورة ديموقراطية لإصلاح أمور البلاد ويرفض مبدأ الثورة الاشتراكية) فهو غير قادر بشكله الحالي المهلهل فكرياً على لعب دور القائد للطبقة العاملة في أي وقت قريب.
ولذا، فإن أقل هموم رئيس الوزراء الياباني المقبل ستكون المعارضة الداخلية، في الوقت الذي سيتسلم فيه تركة مفرطة الثقل من الملفات المستعصية والمصاعب المتفاقمة تركها شينزو، تمتد من الدين العام الفلكي الأبعاد (أكثر من ضعفي الناتج القومي العام)، والانكماش المتمدد للاقتصاد، إلى المصاعب الاجتماعية البنيوية، وتصاعد مشاعر العداء بين الوطنيين اليابانيين ضد وجود جيش الاحتلال الأميركي، ولا تنتهي عند الصعود الصيني المتعاظم الذي يقزّم مكانة اليابان في العالم وفي الإقليم على حدّ سواء، أو العلاقات المتردية بالكوريتين وبرود العلاقات مع روسيا. إلا أن أخطر ما قد ينبغي للرئيس العتيد أن يديره خلال الأشهر القليلة المقبلة فهي من دون شك مصاعب التعامل مع حالات عدم التيقن المرتبطة بـ: وباء «كورونا»، ودونالد ترامب في فترة رئاسية جديدة، وتلك مهمّات فشل فيها قادة مخضرمون كثر حول العالم، وتحتاج إلى حظ مضاعف لا يبدو أي من المرشحين للمنصب الشاغر باستقالة شينزو يمتلكه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا