أسدل مجلس الأمن الدولي، ليلة السبت الماضي، الستار على أوّل منازلة أميركية- إيرانية في أروقته منذ أن خرج ملف طهران من المجلس بعد توقيع الاتفاق النووي صيف عام 2015. الجولة التي دارت حول تجديد حظر السلاح المفروض على إيران، جاءت نتيجتها لصالح الأخيرة، بنتيجة فاقت حسابات الحقل الإيراني. لم يحتجْ إفشال المحاولة الأميركية إلى الفيتو الروسي- الصيني، الذي كانت طهران مطمئنة إليه فقط، إذ امتنع 11 عضوا من أعضاء المجلس الـ 15 عن التصويت لصالح مشروع القرار الأميركي القاضي بتجديد الحظر الذي من المفترض أن يُرفع عن طهران في تشرين الأوّل/ أكتوبر المقبل.

اطمئنان إيران لموقف روسيا والصين في هذه القضية لم يمنعها من أن ترتقب قبل التصويت الموقف الأوروبي باهتمام بالغ، لأن الاصطفاف الذي ستنحاز إليه الدول الأوروبية في مجلس الأمن (بريطانيا وفرنسا)، سيُوضح وفق مقال سابق للخبير السياسي حسين بهشتي بور، في صحيفة «إيران» الحكومية «درجة استقلال سياسة أوروبا عن أميركا، ولا سيما في الشأن الإيراني». ومع أن الدول الأوروبية المعنية اصطفت في قائمة الذين اختاروا الحياد، إلا أن ذلك يُعتبر برأي محلل الشؤون الدولية مرتضى مكي «علامة جيدة على الانقسام العميق بين الحلف الغربي، أميركا من جهة وأوروبا من جهة أخرى، في تصميم وطريقة النظر إلى النظام الدولي». كذلك رأى خبير السياسة الخارجية الإيراني سيد محمد صدر أن «عدم امتثال الدول الأوروبية لقرار الحكومة الأميركية هو أكثر أهمية من نتيجة التصويت».
الجدير ذكره أن الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، أيّدت في وقت سابق مساعي واشنطن الرامية إلى تجديد حظر السلاح على إيران وعبّرت في أكثر من مناسبة عن قلقها من تبعات رفع الحظر. لكن هذا الامتناع الأوروبي من الانضمام إلى جهود الولايات المتحدة في مجلس الأمن يُرجعه السفير الإيراني السابق لدى ألمانيا علي مجدي، في مقال بصحيفة «إيران»، إلى «سياسة طهران ودبلوماسيتها الذكية في مواجهة التخريب الأميركي، والتي تمثلت في الحفاظ على الاتفاق النووي»، وهو الأمر الذي أيّده الكاتب الإيراني حسن هاني زاده، في مقال بصحيفة «آرمان ملي» الإصلاحية، مضيفاً أن «ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى التصويت بالإجماع ضد مشروع القرار الأميركي هو سياسة إيران طوال خمس سنوات من عمر الاتفاق النووي أثبتت للمجتمع الدولي أن طهران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف من الظروف». من جانب آخر، أشار مرتضى مكي، في مقال بصحيفة «آرمان ملي»، إلى «القوة الصاروخية، والتأثير الإقليمي، والموقف من إسرائيل» كملفات إيرانية تمتلك فيها أوروبا رأياً مطابقاً للرأي الأميركي، لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن «دول أوروبا لديها نظرة مختلفة تماماً حول كيفية معاملة إيران، إذ إنها تعتقد بضرورة القدرة على إدارة الملفات المذكورة مع طهران من خلال التفاوض ومراقبة البرنامج النووي». كما أن أوروبا، بحسب مقال محمد صدر في صحيفة «إيران»، ترى أن «الاتفاق النووي هو مبادرتها، وأن انهياره سيؤدي إلى تقويض الأمن في المنطقة، وهذا شيء يقلق القارة العجوز، لذلك اختارت عدم الحسم في هذه المسألة انتظاراً لنتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية»، متوقعاً أن «يسارع الأوروبيون إلى الوفاء بالتزاماتهم في هذا الاتفاق إذا ما خسر ترامب السباق الرئاسي».

عدّ الموقف الرسمي الإيراني تعثّر المحاولة الأميركية انتصاراً دبلوماسياً


صحيفة «وطن إمروز» الأصولية لم تتطرق إلى كل ما سبق من مقاربة لخلفيات الموقف الأوروبي، وأرجعت امتناع الدول الـ 11 عن التصويت لصالح القرار إلى «المخاوف من مزيد من الإجراءات الإيرانية في هذا المجال»، والتي يمكن أن تشمل عدم تنفيذ البروتوكول الإضافي، وخطوات أخرى للانسحاب من الاتفاق النووي، وحتى الانسحاب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
على الرغم من الموقف الرسمي الإيراني الذي عدّ تعثّر المحاولة الأميركية في مجلس الأمن انتصاراً دبلوماسياً لطهران، وزيادة في عزلة الولايات المتحدة، فإن صحيفة «آرمان ملي» الإصلاحية أبدت مخاوفها من إمكانية «سعي أميركا إلى استغلال رفض قرار تمديد حظر السلاح كذريعة قانونية لفرض عقوبات إضافية على إيران وربما أمنية»، مضيفة أن «واشنطن قد تضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي، مُحمّلةً إياه مسؤولية امتلاك إيران للسلاح مستقبلاً، وذلك بعد إعلانها انتهاء جميع الطرق الدبلوماسية مع إيران». في هذا السياق، يُشار إلى أن واشنطن لم تتأخر في الإفصاح عن مسارها الجديد بعد تعثّر محاولتها في مجلس الأمن، إذ قالت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، بعد صدور نتائج التصويت، إن «بلادها ستسعى إلى تطبيق آلية العودة إلى كل العقوبات على إيران خلال الأيام المقبلة».
هذه الآلية المُدرجة ضمن الاتفاق النووي تحت اسم «بند الغروب» أو «آلية فض النزاع»، يجزم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن «أميركا تدرك أنها لا يمكن أن تستخدمها». وفي وقت سابق حاججَ ظريف بذلك، عندما عرض في حسابه على «تويتر» نص القرار الدولي 2231 الذي احتضن الاتفاق النووي، مشيراً إلى البند الذي يحصر الدول المعنية بذلك القرار بتلك الموقّعة على الاتفاق النووي. وعليه، فإن إيران الرسمية تبدو مطمئنة إلى نتيجة التهديد الأميركي المقبل، بيد أن أستاذ القانون الدولي يوسف مولايي يعتقد أنه «لا يمكن إجراء تقييم دقيق لما إذا كانت الولايات المتحدة يمكنها تفعيل آلية الزناد أو لا»، حيث يطرح أثناء مناقشته قانونية الخطوة الأميركية، فكرة العودة إلى الاتفاق النووي، متسائلاً «هل يمكن للدولة التي انسحبت من الاتفاق النووي أن تعود إليه بشكل طبيعي أو من خلال اتخاذ إجراءات معينة، أو أن الأمر يتطلب موافقة الأعضاء الآخرين؟». وبما أن الاتفاق لم يشمل الإجابة على هذا التساؤل فإن ذلك يشكّل، وفق مقال مولايي في صحيفة «إيران»، «ثغرة قانونية تمنح الولايات المتحدة فرصة المناورة بشأن آلية الزناد، كما أنه قد يمنحها امتياز طلب المشورة من محكمة العدل الدولية». بدوره، أكد الكاتب الإيراني سيد رحيم نعمتي أنه «من غير الممكن حتى الآن القول على وجه اليقين ما إذا كانت أميركا ستفوز بالموقف المقبل أو تخسره»، معتبراً، في مقال بصحيفة «جوان» الأصولية، أن خطوة إدارة ترامب المنتظرة في هذا الصدد تهدف إلى هدفين؛ الأول هو «إطاحة الاتفاق النووي، حتى لا يتمكن المرشح الرئاسي جو بايدن من إعادة إحيائه إذا ما فاز بالدخول إلى البيت الأبيض»، والثاني «سعي ترامب من خلال هذه الخطوة إلى تقوية نقاطه في مقابل بايدن، خصوصاً مع اقتراب المنافسة من مرحلتها الحرجة».
على هذه الخلفية، دعت صحيفة «وطن إمروز»، حكومة روحاني إلى «العمل على تقليل هذه التهديدات الأميركية من خلال التلويح علانية بردود إيران إذا ما استطاعت أميركا تفعيل آلية فض النزاع»، موضحة أن جعبة الخيارات لدى طهران تتضمّن «إلغاء جميع التزاماتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطرد مفتشيها، واستخدام التقنيات الجديدة في الساحة الصناعية»، وبذلك فإن حدة المخاوف الغربية من فقدان الوصول إلى المواقع والمنشآت النووية الإيرانية ستتفاقم، بحسب الصحيفة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا