على خطى جدِّه ألفونسو الثالث عشر، الذي اختار المنفى بعد تنازله عن العرش عام 1931، قرّر ملك إسبانيا السابق، خوان كارلوس، مغادرة البلد، في خطوةٍ وُصفت بأنها آخر ملاذٍ لحماية المَلَكيّة، بعدما تكشَّفت فضائح فساد تحوم حول رشوة تلقّاها الملك السابق مِن نظيره السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز. غير أن «الهريبة» المفاجئة وسط علامات الاستفهام المحيطة بتعاملاته الماليّة، يُستبعد أن تخدم غايتها على المدى الطويل، ولا سيّما في ظلّ تزايد الدعوات إلى التخلّي عن نظام دستوري مرّ عليه أكثر من 40 سنة، ويبدو أن صلاحيّته بدأت تنفد.

يوم الإثنين، الثالث من آب/ أغسطس الجاري، ترك ملك إسبانيا السابق، خوان كارلوس، رسالةً لابنه الجالس على العرش فيليبّي السادس، يبلغه فيها قراره الاسترشاد بقناعته، والتوجّه إلى المنفى، «خدمةً لشعب إسبانيا ومؤسّساتها». قصَد خوان كارلوس، كما أوضح في متن رسالته، تسهيل قيام ابنه بمهمّاته من دون متاعب، «في خضمّ التداعيات العامّة التي تسبّبت فيها أحداث ماضية بعينها في حياتي الخاصة». أحداثٌ تتمحور حول تحقيق فتحته المحكمة الإسبانية العليا في حقّه في حزيران/ يونيو الفائت، لمعرفة ملابسات تلقّيه رشوةً ضخمة بقيمة 100 مليون دولار عام 2008، وهَبه إيّاها الملك السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، وأودعها في حسابِ مؤسّسة بنَمية في سويسرا، مقابل وساطة ملك إسبانيا لإبرام صفقة إنشاء خطّ قطار فائق السرعة يربط بين مكة والمدينة.
«الصفقة»، ربّما كانت لتبقى سرية لو لم تُنشر تسجيلات نُسبت إلى عشيقة خوان كارلوس السابقة، الألمانية كوريناتسو زاين-فيتغينشتاين، تفضح فيها تلقّيه أموالاً خلال منح شركات إسبانية عقداً ضخماً لتشييد خطّ سكك حديد للقطارات الفائقة السرعة في المملكة. في عام 2018، وبعدما تناقلت وسائل إعلام إسبانية أحاديث عن ثروة خوان كارلوس الغامضة، فتح المدّعي السويسري، إيف بيرتوسا، تحقيقاً استجوب خلاله محامي الملك السابق في سويسرا ومستشاره المالي وآخرين على صلة به، من بينهم فيتغينشتاين. تَركّز تحقيق المدّعي على الهدية السخيّة التي تلقّاها من الرياض، وإذا ما كانت مرتبطة بإبرام عقدٍ بقيمة 6.7 مليارات يورو (7.9 مليارات دولار) لإنشاء خط سكك الحديد مِن قِبَل تحالف شركات إسبانية بعد ذلك بثلاث سنوات. وإلى الرشوة الملكية، تُحقِّق النيابة السويسرية في تلقيّ كارلوس مبلغ 1.9 مليون دولار من ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، «كهدية» في سبيل تلميع صورة المنامة، وفق ما ذكرت صحيفة «إلموندو» الإسبانية.

تتمحور الفضيحة حول تلقّي خوان كارلوس رشىً بقيمة 100 مليون دولار من السعودية


رحيل الملك السابق، وتنصّله مِن المسؤولية، رغم تأكيد محاميه، خافيير سانشيز يونكو، أن موكّله خوان كارلوس يبقى في متناول النيابة العامة، جدَّدا النقاش في شأن النظام الملكي، ولا سيما في ظلّ أصوات بدأت تعلو جنباً إلى جنب خروج احتجاجات مناهضة للمَلَكيّة.
حياة خوان كارلوس (82 عاماً)، التي بدأت في المنفى، ربّما تنتهي هناك أيضاً، بعدما اختار أبو ظبي وجهةً نهائية له؛ لكن تداعيات هروبه ستُرتِّب على العرش أكلافاً لم تتّضح طبيعتها بعد، ومنها احتمال أن تُغرِق ابنه فيليبّي السادس، بدلاً من أن تعوّمه. قرار كارلوس المغادرة، وفق ما تقرأه صحيفة «تايمز» البريطانية، اعتراف ضمني مِنه بأن المَلَكيّة في إسبانيا تضرَّرت إلى درجة أن نجاتها، على المدى الطويل، باتت موضع شكّ. سعى فيليبّي السادس، جاهداً، إلى أن ينأى بنفسه عن فضائح والده، عن طريق قطع الراتب الملكي الذي كان مخصّصاً له وإعلانه التخلّي عن نصيبه الشخصي في الميراث.
وتُمثِّل التطورات الأخيرة أحدث حلقةِ في فضائح العائلة الحاكمة في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2014، اضطرّ خوان كارلوس إلى التنحّي على خلفية غضب شعبي تلى مشاركته، قبل ذلك بعامين، في رحلة صيد إلى بوتسوانا، سلّطت الضوء على أسلوب حياته الباذخ، في وقت كانت فيه البلاد غارقة في أزمة مالية وبطالة مرتفعة. وفي خطاب تنازله عن العرش (حزيران/ يونيو 2014)، قال إنه قرّر إفساح المجال أمام «جيلٍ جديد»، بينما أكّد رئيس الوزراء، حينها، ماريانو راخوي، أنه «طوال 39 عاماً، كان أفضل رمز لتعايشنا السلمي. شخصيته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالديموقراطية، بحيث لا يمكن فهم أحدهما من دون الآخر».
فضائح العائلة المتتالية، ومن ضمنها تهم الاختلاس والاحتيال الضريبي التي أدين بها زوج ابنته، دوق بالما إيناكي أوردانغارين، ألغت، بمرور الوقت، الدور المحوريّ لخوان كارلوس في فترة السبعينيات، رغم كونه وضع أسس الانتقال مِن عهد الديكتاتورية إلى الديموقراطية، بعدما تمّ اختياره خليفة للجنرال فرانكو، وأشرف على كتابة دستور جديد يحدّ من سلطات الملك، ويؤسِّس لمَلَكيّة على الطراز البريطاني. كما تمكّن في شباط/ فبراير 1981 مِن إفشال محاولة انقلاب قام بها ضباط منشقّون كانوا يأملون إطاحة الحكومة المدنية، ما أكسبه شعبية كبيرة في بلدٍ لا يحظى فيه النظام الملكي بكثيرِ قبول. مذّاك، بات واضحاً في إسبانيا أن الولاء الشعبي ولاءٌ لشخص كارلوس، وليس للمَلَكيّة. أما الآن، فينقسم البلد بين داعمين لدستور كُتب عام 1978 ورافضين له، ولم يتعرّض لاختبار حقيقي بسبب حالة التشظّي السياسي في البلد، حيث يؤيّد الحزبان الرئيسان النظام الملكي، بينما يرفضه، بشكل قاطع، تحالف «بوديموس»، العضو في الائتلاف الحاكم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا