تتّجة بيلاروسيا، اليوم، في ما يبدو، إلى إعلان فوز ألكسندر لوكاشنكو بولاية رئاسية سادسة، في انتخابات شابها تزوير غير مسبوق، وفق ما يؤكّد معارضو الرئيس المنتهية ولايته، لكونها جرت في ظلّ توتّر ومنافسة غير مسبوقَين أولاً، واستندت إلى تصويب مبكر تَواصل بين يومَي الثلاثاء والسبت، وعزّز من فرضية التزوير هذه، ثانياً. ولا يبدو أفق الولاية الجديدة واضحاً، في ظلّ جملة عوامل عزّزت الاستقطاب السياسي في هذا البلد، أبرزها: تشكيك طيف واسع من المعارضين في نزاهة عملية الاقتراع التي ستعيد - والحال هذه - إنتاج المنظومة الحاكمة نفسها، توازياً مع دعوة وجّهتها ثلاث دول أوروبية، هي ألمانيا وفرنسا وبولندا، إلى مينسك لإجراء انتخابات نزيهة؛ ووسط خلافات مع موسكو تشير إلى انفراط التكامل بين «الدولتين الشقيقتين».

مساءً، وقبيل بدء صدور النتائج الرسمية، أفاد استطلاع رسمي للرأي أُجري لدى مغادرة الناخبين مراكز الاقتراع، بحصول لوكاشنكو على 79.7% من الأصوات، في مقابل 6.8% فقط من الأصوات للمعارضة. وحتى عصر يوم أمس، بلغت نسبة المشاركة 73.4%، من مجموع 6 ملايين و844 ألفاً و932 ناخباً في عملية اقتراع تابع سيرها حوالى 50 ألف مراقب محلي، و248 مراقباً أجنبياً. وبخلاف سابقاتها، شكّلت الانتخابات الرئاسية في بيلاروسيا تحدّياً للوكاشنكو (65 عاماً)، الذي يرأس الجمهورية السوفياتية السابقة الواقعة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، منذ ربع قرن (1994). وهو ضاعف جهوده لاحتواء صعود منافسته، المرشحة المستقلّة من خارج عالم السياسة، سفيتلانا تيخانوفسكايا (37 سنة)، التي يتّهمها بالتواطؤ مع الكرملين لإطاحته. وتجلّى ذلك خصوصاً حين أقسم على مواجهة «الحرائق في قلب مينسك»، معتبراً أن خصومه يريدون إشعالها.

جرت الانتخابات الرئاسية في مناخ تحدٍّ غير مسبوق لموسكو


لوكاشنكو، الذي عمل مديراً لمزرعة تابعة للدولة في الحقبة السوفياتية، تمكّن من إزاحة خصومه الرئيسيين بين الربيع وبداية الصيف عبر سجن اثنين منهم، فيما اختار الثالث المنفى. لكن منافسته، تيخانوفسكايا، وهي أستاذة لغة إنكليزية، نجحت في جمع حشود غير مسبوقة من المتعاطفين بدعوتها إلى «التغيير»، من باب إسقاط جدران السجون البيلاروسية، وتنظيم إصلاح دستوري تليه انتخابات جديدة. وهناك ثلاثة مرشحين آخرين، هم: الرئيس المشترك لحركة «قُل الحقيقة» أندريه دميترييف، والمرشحة المستقلة العضو السابق في البرلمان آنا كانوباتسكايا، ومرشح «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» (غرامادا) سيرغي تشيرتشن. وهؤلاء لم ينجحوا في تحقيق تعبئة واسعة، بخلاف تيخانوفسكايا التي حلّت محلّ زوجها سيرغي تيخانوفسكي، المدوّن المسجون منذ أيار/ مايو الماضي، بينما كان يقوم بحملته. واستطاعت تيخانوفسكايا كسب تأييد واسع بعدما تحالفت مع سيدتين أخريين، هما: فيرونيكا تسيبكالو، رفيقة معارض في المنفى، وماريا كوليسنيكوفا، مديرة حملة فيكتور باباريكو المصرفيّ السابق الذي سُجن بينما كان يعدّ للترشّح للانتخابات. وعلى رغم هذا الزخم، أكدت المرشّحة المستقلة لأنصارها أنه ليست لديها أوهام في شأن النتيجة لأن «عمليات تزوير مشينة» جرت خلال التصويت المبكر الذي نُظِّم من الثلاثاء إلى السبت، واقترع في خلاله حوالى ثلث الناخبين.
كذلك، جرت الانتخابات الرئاسية في مناخ تحدٍّ غير مسبوق لموسكو، مِن لوكاشنكو الذي يمثّل، في آن معاً، أقرب حلفائها وأكثرهم تقلباً. وعلى رغم مرور العلاقات بين «الدولتين الشقيقتين» بفترات مدّ وجزر، فإنها لم تشهد طوال 26 عاماً توتراً بهذا الوضوح، إذ اعتبر لوكاشنكو أن «الدمى» التي يحرّكها الكرملين تسعى إلى جعل بيلاروسيا بلداً تابعاً. ونهاية تموز/ يوليو، أوقف 33 روسياً في مينسك للاشتباه في انتمائهم إلى شركة «فاغنر» للمرتزقة، ليتمّ اتهامهم بالإعداد لـ»مجزرة» في العاصمة، وهو ما نفته موسكو، معتبرةً ما حدث محض «استعراض» انتخابي. وسعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى تهدئة الأوضاع في اتصال هاتفي مع لوكاشنكو، تمنّى فيه أن يكون الاقتراع «هادئاً» في «وضع سياسي داخلي مستقر»، وذلك بعدما أكّد الرئيس البيلاروسي، في خطاب ناري، أنه لن «يتخلى عن البلد» لمصلحة موسكو، وإعلانه إجراء مناورات عسكرية على الحدود. وندّد في خطاب إلى الأمة بما وصفه بمحاولات من معارضيه لتدبير «مجزرة» في شوارع العاصمة مينسك، وقال إن منتقديه يتلقّون دعم «موارد بمليار دولار» لإشاعة الاضطرابات. وتساءل «هل ستنجو بيلاروس؟ هل ستنجو من هذه الحرب الهجينة؟». وبعدما أدلى بصوته أمس، قال الرئيس إنه لن «يسمح بخروج الأمور عن السيطرة» ولا «بالفوضى»، بينما كانت الدعوات إلى التظاهر تتوالى على مواقع التواصل الاجتماعي.