يوم السبت الماضي، اجتاحت تغريدة إيلون ماسك موقع التواصل الاجتماعي «تويتر». نشر ماسك بداية تغريدة يقول فيها إن «حزمة تحفيز حكومية أخرى ليست في مصلحة الشعب». يقصد هنا انتقاد حزمة مالية جديدة من الحكومة الأميركية إلى الناس، بسبب البطالة التي تسببت بها جائحة «كورونا». ليأتيه هذا الرد من حساب باسم «@historyofarmani»: «أتعلم ما ليس في مصلحة الشعب؟ أن تقوم الحكومة الأميركية بتنفيذ انقلاب ضد رئيس بوليفيا إيفو موراليس، حتى تستفيد أنت من الليثيوم الموجود في بوليفيا». عندها أتت تغريدة ماسك المتعجرفة، والتي ردّ فيها بالقول: «سننفّذ انقلاباً ضدّ من نشاء... تعايش مع الأمر» (حذف ماسك التغريدة منذ ساعات)، ليعود وينشر تغريدة أخرى بعدها يقول فيها إن شركة «تسلا» تشتري الليثيوم من أوستراليا.

يحتل إيلون ماسك مكانة خاصة في قلوب محبي التكنولوجيا، لا لأنه أسّس العديد من الشركات الناجحة مثل «تسلا» و«سبايس إكس» و«نورالينك»، بل بسبب آرائه واستشرافه لمستقبل التكنولوجيا. أفكار ماسك ورؤيته للمستقبل، تجعله يبدو كشخصية توني ستارك، الرجل الحديدي من شركة «مارفل كوميكس». فنجده تارةً يتكلم عن الذكاء الاصطناعي وخطر سيطرته على العالم، وتارةً أخرى يقدّم لنا مشروع شركة «نورالينك»، الذي من خلاله سيتم زرع شريحة إلكترونية داخل أدمغة البشر، كي يدمجوا مع الآلة ومع الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب. إذ يعتقد ماسك أن هذا هو الحل الوحيد كي يكون للبشر فرصة البقاء أمام الذكاء الاصطناعي. هنا، يتحوّل ماسك إلى أكثر من رئيس تنفيذي ذكي أو مؤسس شركة؛ إلى الشخص الذي يستطيع تحويل أفلام الخيال العلمي إلى أمر واقع.
في السنوات القليلة الماضية، تعاظمت شركة «تسلا» الخاصة بصنع السيارات الكهربائية، وقد تخطت شركات كبيرة مثل «جنرال موتورز» و«فورد» و«فيات كرايسلر» مجتمعة، لتصبح الشركة الأكثر قيمة لصناعة السيارات في الولايات المتحدة. كما أن «تسلا»، مطلع شهر تموز/ يوليو الحالي، تخطّت شركة «تويوتا» اليابانية من ناحية القيمة السوقية، لتصبح الشركة الأكثر قيمة لصناعة السيارات في العالم، بحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز». لهذا الارتفاع الكبير في القيمة أسباب عديدة، منها نوعية وجودة سيارات «تسلا» الكهربائية، وقدرة ماسك التسويقية الكبيرة. ولكن الأهم من ذلك كله، أن العالم يشهد نقلة نحو الطاقة النظيفة، أضف إلى ذلك إعلان ماسك أن شركته توصلت إلى اختراق كبير في عالم البطاريات الكهربائية، سيعلن عنه في الـ 25 من أيلول/ سبتمبر المقبل. كل ذلك يجعل من «تسلا»، حُكماً، قبلةً للمستثمرين.
أحد أهم العناصر لصناعة بطارية كهربائية قابلة لإعادة الشحن، ذات قدرة تخزينية كبيرة للطاقة، هي مادة الليثيوم. يُعدّ عنصر الليثيوم أحد أهم موارد بوليفيا الطبيعية، وتقول الأخيرة إن لديها 70% من احتياطي الليثيوم العالمي، معظمه في صحراء سالار دي أيوني المالحة. بعد وصول الرئيس البوليفي إيفو موراليس إلى السلطة عام 2006، بدأ عملية تأميم المصانع التي تقوم باستخراج مادة الليثيوم في بلاده. وبسبب أن الأراضي التي تحتوي على تلك المادة تقع على ارتفاع 3600 متر فوق مستوى سطح البحر، في منطقة تتّسم بهطول مستمر للأمطار، جعل هذا الأمر من عملية استخراج تلك المادة أمراً مكلفاً وصعباً. ومن غير الممكن استخدام أسلوب التبخير عبر أشعة الشمس من أجل استخراج الليثيوم. ومن أجل حلّ تلك المشكلة، حاولت إدارة موراليس عقد اتفاقيات مع العديد من الشركات بغية استخراج الليثيوم، ولكن، بحسب معايير تحفظ حقوق بلاده من ناحية العائدات، وتحافظ على البيئة. وتقدّمت شركات مثل «تسلا» و«Pure Energy Minerals» الكندية، إلا أنها لم تستطع ضمان تلك المعايير. وأخيراً وقّعت شركة الليثيوم الحكومية (YLB) اتفاقيات مع شركات صينية، مثل مجموعة TBEA وشركة China Machinery Engineering، اللتين استطاعتا توفير كل المتطلبات. هذا الأمر كان سينعكس تطوراً بالغ الأهمية على صعيد اقتصاد بوليفيا، بسبب الخبرات والتقنيات المتطورة التي لدى الجانب الصيني. كما أنه كان سيجعل من بوليفيا المتحكمة في سعر الليثيوم العالمي بسبب احتياطها الاستراتيجي.

تقول بوليفيا إن لديها 70% من احتياطي الليثيوم العالمي


في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تحرّكت إدارة موراليس لفضّ عقد التنقيب واستخراج الليثيوم مع شركة CI Systems Alemania (ACISA) الألمانية، من أجل إعادة التفاوض على نسبة الأرباح الضئيلة التي كانت تعطيها الشركة إلى بوليفيا. كما أن الشركة الألمانية هي أحد مزوّدي «تسلا» ببطاريات الليثيوم إلى جانب العديد من الشركات الأخرى. في الـ 10 من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وعلى أثر انقلاب عسكري، بالتعاون مع تظاهرات حشدت لها الطبقة البورجوازية التي تضررت من إدارة موراليس، أطيح الرئيس البوليفي. وبعد ثلاثة أيام فقط من الانقلاب، ارتفعت أسهم «تسلا» بشكل كبير ولم تتوقف عن الصعود منذ ذلك الحين، كما أن الشركة الألمانية عادت إلى العمل وفق عقدها السابق.
في النتيجة، زعم ماسك أن تغريدته ساخرة ولا تمّت إلى الواقع بأي صلة. إصراره على القول إنه يجلب الليثيوم بشكله الطبيعي من أوستراليا صحيح بشكل جزئي، إذ إن الانقلاب الذي حصل في بوليفيا، أعاد الشركات المتعددة الجنسيات لتنهب الليثيوم البوليفي مقابل القليل من العائدات، ما يجعل السعر العالمي لتلك المادة مستقراً وثابتاً على نحو منخفض، وهذا ما يتيح لشركة «تسلا» أن تتوسع وتصبح في موقعها الحالي.