في ختام قمة ماراثونية استمرّت أربعة أيام وسادها توتّر شديد، توصّل القادة الأوروبيون الـ27، أمس، إلى خطة تاريخية لدعم اقتصادات دولهم المتضرّرة من جراء وباء «كوفيد ــ 19»، تُموَّل لأول مرّة بواسطة دين مشترك. جرى الاتفاق على الحزمة البالغة قيمتها الإجمالية 750 مليار يورو بعد مفاوضات مكثّفة وشاقّة لوّح خلالها رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، بفرض فيتو، فيما قاومت لاهاي وفيينا بعناد خطة شديدة السخاء في نظرهما، كما رفع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، النبرة غاضباً، معلناً خلال مؤتمر مع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أنّه «تمّ تخطّي مرحلة مهمة»، فيما رأت ميركل التي تتولّى بلادها حالياً الرئاسة الدورية للتكتل أنّ الاتفاق «ردّ على أكبر أزمة يواجهها الاتحاد الأوروبي منذ إنشائه». كذلك، أثنى رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، خلال مؤتمر منفصل، على «خطة عظيمة لأوروبا»، معتبراً أنها «مارشال» حقيقية. أما رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، الذي أشرف على القمة، فقال إنّ المفاوضات كانت «صعبة، في لحظة بالغة الصعوبة لجميع الأوروبيين».

في السياق، توقّع وزير الاقتصاد الألماني، بيتر ألتماير، عودة النمو في جميع دول الاتحاد بحلول 2021. وقال ألتماير خلال مؤتمر: «إنني على ثقة بأنه عبر تنفيذ هذه الخطة ستشهد ألمانيا نمواً مستداماً في 2021 و2022»، مضيفاً: «سنرى دلائل واضحة على وجود اتجاه تصاعدي بدءاً من نهاية تشرين الأول/أكتوبر، وسيكون الأمر مماثلاً في بعض الدول الأوروبية»، لكنه أقرّ بأن «العديد من الدول الأخرى سيشهد في تلك الأثناء ذروة المشكلات»، واصفاً الخطة التي اعتُمدت بأنها «نبأ سار لملايين الأوروبيين».

توقّع وزير ألماني عودة النمو في دول الاتحاد بحلول 2021


القمة التي استمرّت أكثر من تسعين ساعة، قبل التوصّل إلى اتفاق، كادت تتخطّى الرقم القياسي التاريخي الذي سجّلته قمة نيس 2000 التي خُصّصت لبحث إصلاح المؤسسات الأوروبية، واستمرّت حوالى 92 ساعة. ودعماً للاقتصاد الأوروبي الذي يعاني من ركود تاريخي، تنصّ الخطة على حزمة قدرها 750 مليار يورو يمكن للمفوضية الأوروبية اقتراضها من الأسواق. ويتوزّع هذا المبلغ بين 390 ملياراً من المساعدات و360 ملياراً من القروض. وتمنح المساعدات للدول الأكثر تضرراً من جراء «كوفيد ــ 19»، وهي تمثّل ديناً مشتركاً يتعيّن على الدول الـ27 سداده بصورة جماعية. أما القروض، فيتعيّن على الدول المستفيدة منها سدادها. وتُضاف الخطة إلى ميزانية الاتحاد البعيدة المدى، 2021 ــ 2027، البالغة قيمتها 1074 مليار يورو توزّع إلى 154 ملياراً في السنة. ويقوم الدين المشترك الذي يعتبر أول إجراء من نوعه يقرّه الاتحاد على اقتراح فرنسي ــ ألماني اصطدم بمعارضة شديدة من الدول «المقتَصِدة» أو «المتقشّفة»، وهي هولندا والنمسا والدنمارك والسويد، وانضمّت إليها فنلندا.
من جراء ذلك، أكد رئيس الوزراء الهولندي، مارك روتي، الذي يتزعّم الدول المقتصدة، في ختام القمة، أنّ هذا القرض المشترك لا يشكل بداية «اتحاد نقل» للثروات بشكل دائم من الشمال إلى الجنوب، وهو تحديداً ما حذّر منه قبل المفاوضات. وقال للصحافيين: «إنها عملية موضعية تظهر ضرورتها بشكل جلي في ضوء الوضع الحالي». وهدّدت الدول «المقتصدة» لمدة طويلة بإفشال خطة النهوض التي تستفيد منها بصورة خاصة دول الجنوب، مثل إيطاليا وإسبانيا، وهي الأكثر تضرراً من جراء جائحة كورونا، غير أنّ شركاءها الشماليين يرونها شديدة التساهل على الصعيد المالي. وللتغلّب على هذه التحفظات، اضطُر شارل ميشال إلى مراجعة اقتراحه الأساسي وتقديم ضمانات. فبعدما كانت برلين وباريس تدعوان إلى تخصيص 500 مليار يورو من المساعدات، تمّ تخفيض هذا المبلغ إلى 390 ملياراً.
(رويترز، أ ف ب)