أقرّ الكونغرس الأميركي مشروع قانون يلحظ فرض عقوبات على المسؤولين الصينيين الذين يقوّضون أُسس الحكم الذاتي في هونغ كونغ، بموجب «قانون الأمن القومي»، الذي وصفته رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، بأنه «حملة وحشية كاسحة» على الإقليم. النصّ الذي صادق عليه، بالإجماع، مجلسا النواب والشيوخ، وبدعم وتأييد كلا الحزبَين الديمقراطي والجمهوري، يُعتبر حراكاً «مستقلاً» عن إجراءات الإدارة الأميركية، لزيادة الضغط على الصين. إزاء ذلك، وفيما يأمل الحزبان أن يوقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التشريع المناوئ للصين، ليصبح قانوناً، لا يزال موقف البيت الأبيض ملتبساً، رغم عدم استبعاد وزير الخارجية، مايك بومبيو، تبنّي واشنطن إجراءات أميركية جديدة ضدّ بكين، جنباً إلى جنب مواصلة العمل لإنهاء الوضع التفضيلي الممنوح لهونغ كونغ، بعدما أصبحت «مجرّد مدينة أخرى يقودها الشيوعيون».

إذاً، يسمح مشروع القانون بمعاقبة أيّ شخص أو كيان يساند المسؤولين الصينيين ماديّاً في انتهاك التزامات الدولة. ويذكر مُعدّا النص، السيناتوران الديمقراطي كريس فان هولن، والجمهوري بات تومي، على وجه الخصوص، «قادة في الحزب الشيوعي الصيني المسؤولين عن فرض قانون حول الأمن القومي في هونغ كونغ»، وكذا وحدات من الشرطة متورّطة في قمع المتظاهرين في المدينة، ويشيران إلى المصارف التي تبرم «صفقات مهمّة» مع أشخاص وكيانات تخضع للعقوبات. وفي حال وقّع ترامب هذا النصّ، سيسمح القانون لواشنطن بفرض عقوبات على «أيّ شخص يشارك في ممارسات لقمع الحريات الأساسية التي تم التعهّد بها» لسكان المدينة، وفق ما أوضح السيناتور تومي. وشدّد على نقطة «أساسية» في القانون «تغرّم المصارف التي تقرِّر تمويل قضم الحكم شبه الذاتي في هونغ كونغ».
ورغم تهويل الكونغرس، يعتقد محلّلون أن «المصالح المشتركة» بين واشنطن وهونغ كونغ، تعطي ترامب هامش مناورة أقلّ، وخصوصاً على المستوى التجاري؛ فالرئيس الأميركي توخّى خفض مستوى الوضع الجمركي في الإقليم الصيني، خشية أن يأتي بنتائج عكسية. وتفرض الولايات المتحدة، راهناً، رسوماً جمركية منخفضة نسبياً على وارداتها من هونغ كونغ، بينما لا تفرض الأخيرة أيّ رسوم على المنتجات الأميركية، باستثناء التبغ (في عام 2019، صدّرت هونغ كونغ سلعاً بقيمة 5 مليارات دولار إلى الولايات المتحدة، واستوردت بـ31 مليار دولار منتجات من الأخيرة). بمعنى أوضح، إذا قررت واشنطن شمول هونغ كونغ بالرسوم العقابية المفروضة على الصادرات الصينية، سيؤدّي هذا إلى ردّ فعل انتقامي من المدينة يُفقِد المنتجين الأميركيين سوقاً مهمّة. إلا أن التوتّر الأميركي - الصيني المتصاعد، دفع بقرار واشنطن وقفَ تصدير العتاد العسكري والتكنولوجيا إلى هونغ كونغ، ما من شأنه أن يضع البلدين في مسار صدامي متقدِّم.
وليست أميركا وحدها، إذ تدفّقت الآراء المعارضة للقانون مِن الحكومات الغربية، بسبب «مخاوف» مِن أن يؤدي تقويض الحكم الذاتي إلى إطلاق عصر جديد من القمع السياسي في المدينة. والحكم الذاتي القانوني، الممنوح مع حريات أخرى للمواطنين، ضَمنه لـ 50 سنة اتّفاقُ إعادة بريطانيا لمستعمرتها السابقة إلى الصين في عام 1997، بموجب مبدأ «دولة واحدة ونظامان». وأدى ذلك إلى قيام جدار حماية بين المدينة والنظام القضائي الصيني، وساهم في أن تكون هونغ كونغ بوابة عبور لمؤسسات أجنبية إلى البرّ الرئيس. لكن هذا الموقع سيظلّ، ربّما، في أولوية الاعتبارات بالنسبة إلى المستثمرين. فأسواق الأسهم والعقارات في المدينة غرقت بمليارات الدولارات من البر الرئيس في السنوات الأخيرة (في نهاية العام الماضي، بلغت حصة تلك الشركات 73%، أو 3.4 تريليونات دولار من القيمة السوقية، بحسب مجلس التنمية التجارية لهونغ كونغ). من هنا، يُفهم تأييد قطاع التجارة والأعمال القانون باعتباره سبيلاً لاستئناف النشاط التجاري في المدينة.

تفرض الولايات المتحدة، راهناً، رسوماً جمركية منخفضة نسبياً على وارداتها من هونغ كونغ

فغرفة التجارة العامة لهونغ كونغ، وصفت تبنّي القانون بأنه «مهمّ في المساعدة على استعادة الاستقرار والثقة إلى المدينة التي تضرّرت بشدّة مِن الاضطرابات الاجتماعية منذ العام الماضي». وانضم المصرفان البريطانيان العملاقان «إتش إس بي سي» و«ستاندرد تشارترد»، اللذان يتمتعان بحضور كبير في هونغ كونغ وفي البر الصيني، إلى مؤسسات أخرى في دعم القانون علناً الشهر الماضي. ويعتبر المحلّلون أن القانون يمكن أن يزيد من مخاطر وتعقيدات القيام بأنشطة تجارية في المدينة، لكنّه من غير المرجح أن يتسبّب بخروج جماعي للمؤسسات الأجنبية. لندن، من جهتها، احتّجت على خرق القانون للاتفاق الصيني - البريطاني، معلنةً عزمها المضيّ قدماً في خطط تسهيل منح الجنسية البريطانية لنحو ثلاثة ملايين شخص من هونغ كونغ، قبل أن تنضمّ إليها كل من أستراليا وتايوان. صحيح أن القانون ينتهك ذلك الاتفاق وكذا «القانون الأساسي» (دستور هونغ كونغ المصغّر)، واللذين يمثّلان حجر الزاوية في الحكم الذاتي، وربّما ليس من المبالغة أن تكون الخطوة الصينية هذه هي الأسوأ التي اتّخذتها بكين، حتى الآن، في محاولتها خنق الدينامية السياسية في المدينة، عبر إعادة هيكلة العلاقة وإسقاط قانون الحماية القضائي القائم بين القضاء المستقل في المدينة ومحاكم البر الرئيس، إلا أن اتساع الحراك الانفصالي، المدعوم أميركياً وغربياً، لم يترك أمامها من خيار.