لم تتوان إيران منذ ولوجها فترة الإعمار بقيادة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، عام 1989، عن محاولة اقتناص كل فرصة تُساهم في تحقيقها لحلم العودة إلى قلب «طريق الحرير»، الذي أعطى للإمبراطورية الفارسية في سالف الزمان أفضلية على غيرها.

ليس لهذه التطلعات التاريخية وحدها، أعلنت طهران الإثنين الماضي موافقتها على اتفاقية تعاون استراتيجي مع الصين تبلغ مدتها الزمنية 25 عاماً. وأوعزت الحكومة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف التوقيع على المعاهدة في المفاوضات النهائية مع الجانب الصيني، لكنها في الوقت ذاته لم تكشف تفاصيل هذا التعاون الذي بدأ الحديث الجدّي حوله مطلع العام الماضي، عندما زار وفد إيراني الصين، مكوّن من رئيس البرلمان، ووزراء الخارجية والنفط والاقتصاد والمالية، ورئيس البنك المركزي.
مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي، وبعد مباحثات أجراها ظريف في بكين أواخر آب/ أغسطس، أوردت مجلة «بتروليم إيكونومست» معلومات عن اعتزام الصين استثمار 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية. ونقلت المجلة المتخصصة في شؤون الطاقة عن مصدر رفيع على صلة بوزارة النفط الإيرانية قوله إن هذا الاتفاق تم تأكيده خلال الزيارة المذكورة لظريف. كما أفادت المجلة بأن الصين تعهّدت باستثمار آخر قوامه 120 مليار دولار في قطاع النفط والبنى التحتية الصناعية في إيران. كذلك، تناولت وكالة «تسنيم» الإيرانية، في أيلول/ سبتمبر الماضي، الاتفاقية، موضحة أنه سيتم تنفيذ مشروع لمدّ خط سكة حديدية بطول 900 كلم بين طهران ومشهد، وإقامة قطار فائق السرعة بين طهران وقم وأصفهان، إلى جانب تطوير شبكة السكك الحديدية في البلاد.
يشرح مصدر إيراني مطلع على ملفّ العلاقات مع الصين، لـ«الأخبار»، أن الهدف من الاتفاقية هو «تطمين الصينيين أن إيران ستستمر بالتعاون معهم حتى لو حلّت خلافاتها مع الدول الغربية، وأنها تستطيع أن تحسب الصين حليفة لها». ويوضح أن «أقل ثمار هذه الاتفاقية» هو أنه «بمجرد أن يبدأ تنفيذها ستقوم الصين بشراء كميات أكبر من النفط الإيراني، ويتم الدفع على نحو: ثلثي الثمن نقداً والثلث الآخر بشكل سلع و بضائع وخدمات». ويضيف المصدر: «ستبدأ الصين بتنفيذ مشاريع اقتصادية أو الاستثمار بمشاريع بنى تحتية من شأنها فتح مجال لعمل الملايين من الإيرانيين، وستصبح إيران مركزاً لمصانع صينية كبرى توزّع بضائعها في الشرق الأوسط و غرب وشمال غرب آسيا، بدلاً من أن يتم إرسال البضائع من الصين». أمّا أهم الأبعاد الاستراتيجية للاتفاقية، فهي، بحسب المصدر، أن إيران «ستصبح محطة أساسية لطريق الحرير الجديد الصيني».
تزامن رفع التعاون مع اشتراك البلدين بمواجهة الضغوط الأميركية، يعلّق عليه الأستاذ في جامعة «شهيد بهشتي» والمختص في الشأن الصيني محسن شريعتي نيا، بالقول إن «العلاقات الإيرانية ــــ الصينية تتأثّر بشدة بتصاعد التوترات بين بكين وواشنطن»، لافتاً في مقابلة مع صحيفة «ستارة صبح» الإصلاحية إلى أن «الولايات المتحدة اليوم هي صاحبة الدور الرئيسي في ما يخص العلاقات بين طهران وبكين». من جانبه، لا ينفي الخبير في الشؤون الصينية رحمان قهرمانبور، في حديث إلى الصحيفة ذاتها، تأثير تصرّفات ترامب على سلوك الصين، بيد أنه وضع هذا السلوك أيضاً في سياق تهيئة الأرضية لتكون الصين حاضرة في الشرق الأوسط بعد أن تقلل الولايات المتحدة من وجودها هناك.

لا يبدو أن مكاسب إيران من هذا التعاون مقتصرة على الجانب الاقتصادي


على رغم أهمّية أوراق القوّة التي يطرحها رفع مستوى التعاون بين إيران والصين لهذه الأخيرة في مواجهتها مع واشنطن، فإن ما تصبو إليه بكين لا ينحصر بحسب وجهات نظر إيرانية في هذا المسار فقط؛ رأت افتتاحية صحيفة «خراسان» الأصولية أن «الصين شرعت في السعي لتحقيق ثلاثة أهداف من خلال رفع التعاون مع إيران، وهي: ضمان أمن إمدادات الطاقة والمواد الخام، والمنافسة الاقتصادية السياسية مع روسيا، وخفض العجز التجاري الثنائي». وأضافت الصحيفة إن «الصين تقود المنطقة في خطتها التجارية الاقتصادية الجديدة بصفتها الشريك التجاري الأوّل لإيران». وقد استندت «خراسان» في تقييم الخطة التجارية للصين إلى بيانات غرفة طهران للتجارة والصناعات والمعادن والزراعة، التي أوضحت الشهر الماضي أن الصين احتلت المرتبة الأولى في قائمة الدول التي صدّرت إليها واستوردت منها إيران منتجات غير نفطية خلال العام الإيراني المنصرم (آذار/ مارس 2019 ــــ آذار/ مارس 2020). فمن حيث الصادرات، بلغت حصة الصين 9.5 مليارات دولار بنسبة 23% من مجمل صادرات البلاد غير النفطية، وبنمو بلغ 2.5% مقارنة بالعام قبل الماضي، حين قاربت قيمة الصادرات غير النفطية 9.3 مليارات دولار بنسبة بلغت 20.8% من قيمة صادرات إيران غير النفطية آنذاك. وبلغت قيمة الواردات من الصين خلال العام الماضي 11.2 مليار دولار، بنسبة قاربت 26% من مجمل واردات البلاد، وبنموّ قاربت نسبته الـ 8%، مقارنة بالعام الأسبق حين بلغت قيمة الواردات من الصين 10.4 مليارات دولار، بنسبة بلغت 24% من مجمل واردات البلاد آنذاك.
ما سلف سرده في هذه الدراسة يُظهر أن واردات إيران وصادراتها من الصين وإليها ارتفعت في العام الإيراني الماضي، مقارنة بالعام الأسبق، لكن الارتفاع في قيمة الواردات فاق الارتفاع في قيمة الصادرات، ما انعكس سلباً على الميزان التجاري لإيران مع الصين، فسجّل عجزاً مقداره 1.7 مليار دولار تقريباً، بزيادة بلغت قيمتها 565 مليون دولار، مقارنة بالعام الذي سبقه، حين كانت قيمة العجز آنذاك 1.12 مليار دولار.
في قراءة إيرانية لدلالات ما تقدّم، يقول رئيس القسم السياسي في صحيفة «فرهيختغان» الأصولية علي جمشيدي إن «مسار رفع مستوى التعاون مع الصين يشير إلى أن الحكومة الإيرانية تشعر بخيبة أمل من مسارها السابق الذي بقيت خلاله متأمّلة في رفع العقوبات وإطلاق آلية إنستكس الأوروبية للتبادل التجاري». ويضيف: «ما يحصل بين بكين وطهران يأتي في إطار تجربة الحكومة الإيرانية لطرق أخرى حتى تتمكّن من اكتساب المزيد من القوّة للتغلب على الوضع الحالي».
ارتفاع منسوب الأمل بالاتفاقية عند رئيس لجنة الأمن البرلمانية الإيرانية السابق حشمت فلاحت بيشه، مرهون بتحقّق ثلاثة شروط: أوّلها، أن «يكون توفير ائتمان هذه الاتفاقية توفيراً لائتمان طويل الأمد بين البلدين». الثاني، أن «تتضمّن الاتفاقية الجزء العمراني والبنية التحتية للنقل». أمّا في الشرط الثالث، فيعلّق الأمل على «مدى قدرة الأفراد الذين يبرمون هذه الاتفاقية على تقديم رؤية واضحة حول الاستثمار في حقول النفط والغاز»، لأن إيران في هذا المجال متأخّرة عن غيرها من الدول بما فيها العراق، على حد قوله.
لا يبدو أن مكاسب إيران من هذا التعاون مقتصرة على الجانب الاقتصادي، فالموقف الصيني الذي اصطفّ إلى جانب إيران في اجتماع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» لم يكن، بحسب قهرمانبور، منفصلاً عن المحادثات الثنائية التي جرت قبل اجتماع مجلس حكّام الوكالة الأسبوع الماضي. بالبناء على هذا الموقف من قبل الصين، يُرجّح قهرمانبور أن «تستخدم بكين حق النقض الفيتو في مجلس الأمن إذا ما حاولت واشنطن إمرار قرار أممي بتمديد حظر التسلح الدولي المفروض على طهران والمقرّر انتهاؤه وفق القرار 2231 في تشرين الأوّل/ أكتوبر المقبل».