التهديد المتنامي لـ«المتفوّقين البيض»

(...) حتّى قبل انتشار فيروس «كورونا»، كان الإرهاب الناتج عن المؤمنين بتفوّق العرق الأبيض، يشكّل تهديداً متنامياً. بالرغم من أنّ شبح الجهاد تلقّى التركيز الأكبر، فإنّ التهديد الناتج عن التطرّف العرقي ــــــ والذي من ضمنه المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض ــــــ كان في ارتفاع مطّرد خلال السنوات القليلة الماضية. حتى عام 2016، لم يمثّل سوى 20 في المئة من الوفيات المرتبطة بالإرهاب في الولايات المتحدة، وفقاً لـ«رابطة مكافحة التشهير». بحلول عام 2018، ارتفع هذا العدد بنسبة 98 في المئة. في شهر شباط / فبراير، قال مدير مكتب التحقيقات الفدرالية كريستوفر ويري للكونغرس، إنّ المتطرّفين بدوافع عنصرية وعرقية «كانوا المصدر الأساسي للحوادث القاتلة ذات الدوافع الأيديولوجية»، على مدى العامين الماضيين. وأشار ويري إلى أنّ عام 2019 كان الأكثر دموية ربطاً بالعنف العنصري الأبيض، منذ تفجيرات أوكلاهوما في عام 1995.
(...) أثبتت عمليات الإغلاق، أنّها تشكّل وقتاً مناسباً للتوسّع، وفرصة لـ«المتفوّقين البيض». وبالفعل، فقد استغلّ المتطرّفون الأيديولوجيون العنيفون الوباء للاستحواذ على الأشخاص الأكثر ضعفاً ويأساً ــــــ الذين عُزلوا في منازلهم (أو منزل آبائهم) مع القليل لإلهائهم، إلى جانب تصفّح الإنترنت. نُدرة التجمّعات العامّة الكبيرة والحشود، نقلت ساحة معركة الإرهاب إلى الداخل، وعبر الإنترنت (...). كما هو الحال مع الجماعات الإرهابية، مثل «داعش»، فإنّ تهديد «التفوّق الأبيض»، اليوم، عالميٌّ وظاهري. الحرب في أوكرانيا، مثلاً، جذبت المئات من المقاتلين الأجانب المرتبطين باليمين المتطرّف، والذين يستخدمون ساحة المعركة كمساحة للتواصل. وهذا يتضمّن عشرات الأميركيين، الذين عاد البعض منهم إلى موطنهم مع علاقات وخبرات قتالية جديدة. خارج أوكرانيا، توجد مخيّمات تدريب للمتفوّقين البيض في بولندا، بلغاريا، وحتى في المملكة المتحدة، كما تعمل العديد من منظّمات «التفوّق الأبيض» عبر الحدود الوطنية.
ولكن كما يعدّ الإنترنت أداة بالنسبة إلى«داعش» من أجل خلق وتوسيع الخلافة، فإنّ الإنترنت بالنسبة إلى«المتفوّقين البيض» هو الخلافة: مقرّات، مخيّمات تدريب افتراضية... هذا الاعتماد على الإنترنت قد ساعد هذه المجموعة خلال الجائحة (...).

نوع جديد من العدوى
في وقت مبكر من بعد ظهر يوم 15 آذار / مارس 2019، جلس برنتون تارانت في سيارته المتوقّفة في كريستشورتش في نيوزيلندا. سجّل نفسه بهاتف ذكي، وأخبر المشاهدين المشتركين بقناة «PewDiePie»، وهي قناة سويدية مشهورة تتعمّد إثارة الاستفزاز، ولها علاقة غامضة بأقصى اليمين. ثمّ خرج تارانت من سيارته، وشرع في إطلاق النار في مسجدين محليين، ما أسفر عن مقتل 51 شخصاً. بوجود كاميرا موضوعة على رأسه، صوّر مباشرة جريمة القتل الجماعي التي قام بها، عبر «فايسبوك». وخلال يوم واحد من الهجمات، أفيد بأنّ «فايسبوك» منع حوالى 1.5 مليون محاولة لمشاهدة الفيديو.
(...) في أوجّه، انتشر تنظيم «داعش» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالفعّالية نفسها لنشر العنف (...). إضافة إلى قطع الرؤوس، ومقاطع الفيديو الترويجية لما بعد الهجوم، من أجل إخافة الناس واحتلال العناوين الرئيسية في الإعلام، فإنّ حملة «داعش» الإعلامية أنتجت صورة تحتفي بالمقاتلين الأفراد. تمّ نشر المحتوى عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، لضمان استمراره لفترة أطول. وحتّى يومنا هذا، فإنّ المتابعين في كل أنحاء العالم يتلقّون التعليمات بأخذ زمام المبادرة، وتنفيذ أي أعمال عنف يمكنهم القيام بها، باستخدام أي سلاح متاح (سكّين، مسدّس، أو سيارة) ــــــ على أن يشهدوا، عبر الفيديو، أنهم يقومون بذلك لصالح «داعش».
استراتيجية «داعش» كانت خطوة مهمّة إلى الأمام، مقارنة بالمجموعات الإرهابية السابقة، ولكنّ «المتفوّقين البيض» استمرّوا في الابتكار. رسمياً، فإنّ جزءاً كبيراً من البروباغندا والاستراتيجية الإعلامية التي يتبعونها، تشبه تلك التي يعتمدها «داعش»: فيديوات منتجة بشكل متقن؛ رسومات جريئة تستخدم الصور التي يتم التلاعب بها، إن كان من ألعاب الفيديو أو الأفلام، وذلك لإصدار تهديدات فجّة؛ التوجيه المتعمّد للمتابعين الجدد من خلال منصّات التواصل الاجتماعي المفتوحة ــــــ الفعّالة من أجل التجنيد ــــــ والمشفّرة، حيث يمكن مشاركة التعليمات حول صنع القنابل، ومناقشة الأهداف المحتملة، وحيث تحدث التعبئة الحقيقية.
(...) على عكس «القاعدة» و«داعش» ــــــ المنظّمات ذات التسلسل الهرمي والمواقع، والمهمّة، والرؤية، والقيَم ـــــــ فإنّ «العالم التفوّقي الأبيض» مشتّت وديناميكي للغاية. هناك الكثير من المجموعات، بعضها تعمل عبر الحدود، لكنّها غالباً ما تكون صغيرة وغير منظّمة وسريعة التفتّت وإعادة التشكيل. ويمكن أن ينتمي أعضاء مجموعة ما إلى أكثر من مجموعة في الوقت ذاته، وهو ما قد يعني أحياناً أكثر بقليل من المشاركة في محادثات جماعية متعدّدة الأطراف على منصّات مختلفة عبر الإنترنت. في هذا العالم من الولاءات المتداخلة، فإنّ النكت والـmemes (شعارات، صور...)، تُعدّ النسيج الضام للجميع (...).

إيقاف الانتشار
كلّ ذلك يعقّد مهمّة تطبيق القانون. مظاهر السخرية والـ«ميمات» memes، تجعل من الصعب تحديد من يشكّل تهديداً وشيكاً، ومن يمزح ببساطة ـــــــ وهو، بالتحديد، النقطة الأساسية. إنّ حكومة الولايات المتحدة مجهّزة جيداً لمنع العنف الذي تنظّمه الجماعات أو الشبكات المنظّمة، التي تتواصل وتتنقّل وتتدرّب وتنفّذ... أمّا التنبّؤ بالشخص المنفرد، الذي سيحرّك وينفّذ هجوماً عنيفاً، فيُعدّ أمراً أكثر صعوبة (...).

(«فورين أفيرز» - ريبيكا يولم وينر)