لم تهدأ الحرب الأميركية المستعرة على فنزويلا يوماً، منذ تسلّم دونالد ترامب مقاليد السلطة. الرئيس الأميركي الموتور يبحث عن أي إنجاز يستثمره في الداخل الأميركي بعد عجزه عن إقناع جنرالات الجيش الفنزويلي بالانقلاب على الرئيس نيكولاس مادورو، وفشل المعارضة المدعومة من واشنطن في تسجيل أي تقدّم في الداخل الفنزويلي، كما إفشال مخطط نشر الفوضى عبر إرسال عدد من المرتزقة لتنفيذ اغتيالات لقيادات الصف الأول في البلد اللاتيني.

اتخذت الإدارة الأميركية قراراً بإشعال حرب تصفيات ممنهجة، بدأت بوضع الرئيس مادورو وعدد كبير من مساعديه على لائحة المطلوبين قضائياً بتهمة غسل الأموال. تهدف الخطة إلى كسر التكتل العسكري والسياسي والاقتصادي المناهض لسياسات واشنطن، والمتمسّك بمشروع التحرّر اللاتيني من السطوة الأميركية التي فرضت على القارة الجديدة الهيمنة الاقتصادية والسياسية. وهذا ما يفسّر الاحتفالية الأميركية في أعقاب اختطاف أليكس صعب، الذي تصفه واشنطن بـ«ذراع» القيادة الفنزويلية في التحايل على العقوبات الأميركية. وفي التوقيت والشكل، أرادت واشنطن العملية رداً على كسر السفن الإيرانية، أخيراً، الحصار على فنزويلا، حاملة شحنات الوقود. لم يذهب الأميركيون إلى مواجهة مباشرة وقتها، ما كشف ضيق الخيارات، وهو ما شجعهم لاحقاً على استثمار توقيف صعب وهو في طريقه إلى إيران للانتقام من تحدّي الرحلات الجوية والبحرية بين إيران وفنزويلا للحصار، وكذلك للتدليل على صدقية الروايات الأميركية التي تتحدّث عن «نهب» إيران للذهب الفنزويلي بغية شيطنة التعاون بين البلدين المحاصرين.
لم تتردّد المخابرات الأميركية في تعقّب أليكس صعب، رجل الأعمال الكولومبي المنحدر من أصول لبنانية والحامل للجنسية الفنزويلية، واعتقاله فور هبوط الطائرة الخاصة التي تقلّه في مطار أميركال كابرال دي سال في جمهورية الرأس الأخضر (تسمّى: كابو فيردي ــــ دولة إفريقية صغيرة تتألّف من أرخبيل من 10 جزر وسط المحيط الأطلسي قبالة السنغال). فالطائرة التي كانت متوجهة إلى إيران حطّت في الجزيرة الإفريقية للتزوّد بالوقود لمتابعة سيرها، إلا أن قوة من الشرطة المحلية (تقودها مجموعة من القوة الأميركية الخاصة) اقتحمت الطائرة وساقت صعب إلى مركز للشرطة في إحدى جزر الأرخبيل الإفريقي، جزيرة الملح (إيليا دي سال)، حيث تم توقيفه بناءً على أوامر من المدعي العام جوزي لانديم، الذي كشف أن الأنتربول الدولي سلّم بلاده لائحة مطلوبين تضم اسم صعب.
وعلى الرغم من محاولة سلطات الرأس الأخضر التعاطي مع ملف الاعتقال بأنه إجراء قضائي عادي، فإن المعلومات التي وصلت إلى فريق الدفاع تشي بأن عملية الاعتقال تمّت أساساً بتنسيق أميركي عالي المستوى مع سلطات البلد الإفريقي، وأن القضاء المحلّي أعطى واشنطن مهلة 18 يوماً لطلب الاسترداد، ما يشير إلى أن قرار تسليم رجل الأعمال الكولومبي اتُّخذ فعلاً، وأن القضاء يسعى إلى إنشاء مسرحية قانونية لتخريج هذا القرار، وخصوصاً أن جمهورية الرأس الأخضر لم توقّع على أي اتفاقية تبادل مع الولايات المتحدة. وهذا ما تمسّكت به فنزويلا، من جهتها، إذ أكّدت أن ملف الاعتقال مخالف للأعراف الدولية، واصفة إيّاه بـ«التعسّفي». وتشير المعلومات الواردة من فريق الدفاع إلى أن المَخرج القانوني لتسليم صعب سيعتمد على ما برّرته السلطات بأنه التزام بالمعايير الدولية التي تفرض التعاون الأقصى بخصوص «الإرهاب وغسل الأموال»، ويستند إلى اتهامات ساقتها المدعية العامة الفنزويلية السابقة لويزا أورتيغا، التي تعيش في المنفى، ضد صعب. وأهم هذه الاتهامات: مساندة الرئيس الفنزويلي في كسر الحصار الأميركي عبر إجراء تحويلات دولية بلغت مئات الملايين من الدولارات.

أرسلت كاراكاس وفداً خاصاً إلى الرأس الأخضر لإدارة مفاوضات حول إطلاق سراح صعب


مصادر فنزويلية كشفت لـ«الأخبار» أن واشنطن تلاحق عدداً كبيراً من رجال الأعمال والسياسيين الفنزويليين الذين لم يرضخوا للحصار الأميركي الظالم وعملوا بمسؤولية وطنية عالية لخدمة الفنزويليين، وكان من بينهم أليكس صعب الذي شارك في بناء آلاف الوحدات السكنية للفقراء في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وساهم في دعم المواد الغذائية والطبية ومساعدة المواطنين في حرب التجويع التي تفرضها واشنطن. وتحدثت المصادر عن أن صعب كان يعمل على تقريب وجهات النظر بين السلطات وعدد من المعارضين لتفويت الفرصة على واشنطن في استخدام الخلاف السياسي من أجل الضغط على الفنزويليين، وهذا ما جعله تحت المراقبة الدائمة للمخابرات الأميركية التي انتظرت سنوات كي تنال من صعب.
لا يخفي المصدر أن صعب يملك الكثير من المعلومات حول الإدارة الاقتصادية للبلاد، وأنه كان مقرّباً من القيادة الفنزويلية، وكانت تسند إليه بعض المهام الاقتصادية والعلاقات العامة. لكن ثمّة مبالغة كبرى تروّج لها واشنطن حول حيازته معلومات أمنية وسياسية استراتيجية، وأن اعتقاله سيضعف الحكومة الفنزويلية ورئيسها. وأكد المصدر أن كاراكاس أرسلت وفداً خاصاً إلى جمهورية الرأس الأخضر لإدارة مفاوضات حول إطلاق سراح صعب. وعلى الرغم من المساعي الفنزويلية، فإن المعلومات الواردة من القارة الإفريقية تشير إلى أن أليكس صعب يخضع للتحقيق من قبل أمنيين أميركيين منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، وأن واشنطن أعدّت ملف الاسترداد. وعليه، فإن فنزويلا بدأت تتعاطى مع اعتقال صعب على أنه مرحلة جديدة من المواجهة بين البلدين، وأن التعاطي مع رجال الأعمال والشركات كمجرمين دوليين يعد سابقة خطيرة وتجاوزاً لكل القوانين الدولية. المصدر أكد لـ«الأخبار» أن القيادة بدأت بإجراء خطة فعلية لحماية رجال الأعمال والناشطين الفنزويليين من عمليات الخطف الأميركية، وأنها ستسعى بكل الوسائل إلى محاولة تحرير صعب الذي وصفه بـ«المعتقل السياسي». ووفق مصدر آخر، فإن تحقيقاً فنزويلياً فتح في القضية يتركّز على أن وجود صعب على متن الطائرة المتجهة إلى إيران لم يكن معلناً، ما يعني وجود اختراق أمني يجري التدقيق في مصدره.
يبدو أن المواجهة بين واشنطن وكاراكاس اتخذت منحى آخر. أليكس صعب، الذي تصفه واشنطن بخزّان المعلومات ومفتاح أسرار القيادة البوليفارية، تعتبره كاراكاس مناضلاً اقتصادياً وسنداً للشعب الفنزويلي. لكن، ورغم أن الفنزويليين يدركون أن تكلفة المواجهة مع واشنطن مرتفعة وأن هذه الحرب ستطاول كل متعاطف أو مؤيّد للقيادة الفنزويلية، فإن البلد اللاتيني المحاصر يصرّ على استكمال هذه المواجهة التي فرضتها الولايات المتحدة وعاقبت من خلالها الشعب الفنزويلي عبر حصار خانق طاول كل موارد الحياة. ويرى الفنزويليون أن التمرّد على العقوبات الأميركية لا يعدّ عملاً جرمياً، بل مقاومة مشروعة لكل مشاريع الهيمنة الأحادية، وأن لجوء واشنطن إلى عملية الابتزاز من خلال ملاحقة شخصيات اقتصادية واتباع أسلوب القرصنة والاختطاف لن تثنيها عن مواصلة العمل على تأمين مصالحها الاستراتيجية وتوفير المستلزمات الأساسية للشعب الفنزويلي بكل السبل المتاحة.