تتسارع التطورات في ليبيا ويتسابق مسارا الحرب والسلم. ومما لا شك فيه أن تركيا نجحت، في الأشهر الأخيرة، في تسجيل مكاسب متعددة في الملف الليبي. أوّلاً، بتوقيع اتفاقية أنقرة بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس حكومة «الوفاق الوطني» فايز السراج، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، والتي رسمت الحدود البحرية بين البلدين، كما وضعت أسس التعاون العسكري العلني والمباشر بينهما. وثانياً، في إرسال تركيا قواتها، ومسلحين تابعين لها في سوريا، إلى ليبيا لمساعدة السراج في مواجهة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مصر والسعودية والإمارات. والإنجاز التركي الثالث كان التقدّم الميداني الحاسم لأنقرة وللسراج في غرب ليبيا والسيطرة على كامل المنطقة الغربية من ليبيا، وصولاً إلى مشارف سرت ومنطقة الهلال النفطي.

في إثر التطورات الميدانية الأخيرة، خرجت مصر بمبادرة للسلام تقضي بوقف النار وإقامة سلطة تضم الجميع وخروج القوات الأجنبية و«التنظيمات الإرهابية» ومن ثم إجراء انتخابات نيابية. وهي مبادرة جعلت تركيا ومصر وجهاً لوجه كلاعبين مؤثّرين مباشرة في الأزمة الليبية. الفارق بين الدورين التركي والمصري أن الأوّل لم يخف طبيعته العسكرية، والثاني كان يحرص على ألا يتورّط عسكرياً في ليبيا حتى لا يغرق في مستنقعها وتكون «يمناً ثانياً» لها بعد التدخل العسكري في الستينيات في اليمن. وهذه مفارقة كبيرة حيث إن تركيا تحدّت الجميع في التدخل العسكري في منطقة بعيدة عنها، فيما تحاذر مصر وتتردد بل ربما تمتنع عن التدخل العسكري في منطقة تشكّل خاصرتها الأمنية الأولى. وكان أولى، كون ليبيا بلداً عربياً ومحاذياً جغرافياً، أن تكون مصر، لا تركيا، هي اللاعب الأوّل سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً، في ليبيا. وهذا أساساً كان دورها التاريخي في محيطها العربي والإفريقي.
تهدّد تركيا حفتر بأن نهايته اقتربت وأن لا حل بوجوده. لذلك، فإن تركيا قابلت المبادرة المصرية بفتور بل برفض عملي، حين قال وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو، إن المبادرة المصرية «ولدت ميتة» ما دامت مصر مستمرة في دعم طرف «متمرّد على الشرعية». بل اندفعت تركيا في تحرّكات دبلوماسية مضادة، فاتفق إردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطوات، لم يعلن عنها، في ليبيا تبقي حفتر خارج اللعبة. كما اتصل إردوغان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اللاعب الميداني الثاني بعد تركيا في ليبيا. لكن روسيا على ما يبدو تعيد النظر في حساباتها الميدانية وتميل إلى وقف العمليات العسكرية حتى لا تتحوّل ليبيا إلى سوريا ثانية بالنسبة إلى روسيا، وهو ما لا تحبّذه روسيا وربما لا طاقة لها عليه، وخصوصاً أن الأطراف الأخرى الداعمة لحفتر، مثل الإمارات والسعودية، تلعب في الفلك الأميركي ولا تشكّل حليفاً تكتيكياً موثوقاً. كذلك، فإن روسيا تغامر في حال استمرار تدخلها العسكري في خلق ساحة مواجهة ثانية، بعد سوريا، مع الولايات المتحدة وحلف شمالي الأطلسي.

تراهن أنقرة على أن للقاهرة مصلحة في الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا


تستفيد أنقرة من كل هذه التطورات. ويضع برهان الدين دوران، عضو مجلس السياسة والأمن في الرئاسة التركية، أربعة أسس لسياسة تركيا في ليبيا:
1 ــــ تعميق وتوسيع التعاون بين أنقرة وطرابلس في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، من إقامة قواعد عسكرية إلى التنقيب عن النفط ونشاط الشركات التركية في ليبيا.
2 ــــ تأمين السيطرة الكاملة على الهلال النفطي من خلال الاستيلاء على سرت وجفرا.
3 ــــ تولّي تركيا، الوحيدة الداعمة للسراج، دوراً حاسماً ومفصلياً في إعادة بناء ليبيا.
4 ــــ تقديم مقترح حل للأزمة يضمن أن تكون حكومة السراج قويّة على طاولة المفاوضات.
ويرى دوران أن هذا يتطلّب إجراء اتصالات بين أنقرة والقوى السياسية في بنغازي وطبرق، ليس من بينها خليفة حفتر. ولا يعارض دوران أن يكون رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، من بين هذه الوجوه. ويقول إن الصعوبة الأكبر تكمن في الوصول إلى صيغة ترضي القوى الخارجية التي تتدخّل في الحرب الأهلية، ولا سيما مصر. وهذا يتطلب العمل على إخراج مصر من جبهة فرنسا ــــ الإمارات ــــ اليونان وقبرص اليونانية.
ربما في هذا الإطار، تبدو تركيا في عمل مكثّف من أجل تفكيك المحور المضاد. وبعدما كانت أنقرة ترفض الاعتراف بنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، معتبرة أنه انقلابي، خرج وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، قبل أيّام، بدعوة مصر إلى الحوار والتعاون لأنها «الطريقة الأكثر عقلانية» لعودة العلاقات التركية ــــ المصرية. هنا يتجاوز تشاووش أوغلو الرفض التركي الاعتراف بنظام «انقلابي» واحتضان أنقرة المعارضة المصرية. وهذا يعدّ تطوّراً جديداً في النظرة التركية لمصر. وتراهن تركيا، ضمناً، على أن لمصر مصلحة في الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا لأنه يعطي مصر مساحات بحرية كبيرة جديدة.
وما يشجّع تركيا على إخراج مصر من «الجبهة المعادية» هو، وفق الجنرال المتقاعد نعيم بابور أوغلو، في حوار معه في صحيفة «ميللييات»، عدم وجود تنسيق بين أطراف هذه الجبهة. ويرى بابور أوغلو أن تركيا تقوم في ليبيا بما قامت به في سوريا من عمليات عسكرية مكثّفة. وهو ما ضمن لها تفوقاً ميدانياً وسياسياً. وهو الأمر الذي يدفع تركيا إلى عدم القبول بدور ما لحفتر في العملية السياسية لأن ذلك يعني تفريطاً بجزء من المكاسب التركية. مع فارق أن سوريا محاذية جغرافياً لتركيا بخلاف ليبيا، وهذا ما يعطي أهمّية فائقة لقاعدة «الوطية» قرب تونس، التي ستتحوّل إلى قاعدة عسكرية تركية مركزية في ليبيا، فيما تتحوّل مصراطة إلى قاعدة بحرية لأنقرة. ويقول بابور أوغلو إن تركيا لن تنسحب أبداً من ليبيا لأن الوجود التركي في ليبيا هو ضمانة لـ«الوطن الأزرق» أي المجال البحري للنفوذ التركي.
لكن الموقف التركي «الجديد» تجاه مصر لا يبنى عليه إذا كانت تركيا تريد فقط تفكيك التحالف المضاد لها. ذلك أن تشاووش أوغلو يناقض نفسه بقوله في حوار مع صحيفة «حرييت» إن إعلان القاهرة «ليس صائباً ولا واقعياً ولا مقنعاً وليس صادقاً ولن ندعمه» لأنه جاء تحت وطأة الهزائم التي مني بها حفتر المدعوم من مصر ولتلافي انهياره الشامل. ولو أن دعوة تشاووش أوغلو إلى التعاون مع مصر جدّية لكان اتخذ موقفاً مغايراً من المبادرة المصرية. أمّا مصر، فإنها في موقف دقيق يتطلّب التنسيق مع حلفائها في السعودية والإمارات، العدوّين اللدودين لتركيا، وعدم الاصطدام بالموقف الأميركي المنفتح على التحرّك التركي في ليبيا، في وقت تبدو فيه أنها مكبلة بأكثر من عامل لمواجهة التقدّم الاستراتيجي لتركيا في خاصرتها الشرقية.
تعمل تركيا في حركتها الدولية بشأن ليبيا على خطّين: الأوّل، تعزيز التعاون والتنسيق مع واشنطن عبر اتفاق إردوغان وترامب على تشكيل لجنة من وزراء الخارجية والدفاع في البلدين لتقييم الموقف في ليبيا.
والثاني، خط التعاون مع روسيا في تكرار لـ«النسخة السورية» التي أعطت لتركيا مكاسب غير مسبوقة منذ عام 2016. وهذا ما كان متوقّعاً، رغم تأجيل زيارة وزيرَي الخارجية والدفاع الروسيين لتركيا أمس الأحد، حيث كان الموضوع الليبي سيحتل حيزاً مهمّاً فيها، إضافة إلى تقييم آخر التطورات في سوريا التي تكثّف فيها تركيا وجودها العسكري وحضورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما لو أنها باقية إلى الأبد. وتنقل صحيفة «يني شفق» في عددها الصادر أمس أن روسيا أبلغت تركيا أن مدينة سرت ومنطقتها خط أحمر بالنسبة إلى روسيا. وتعيد الصحيفة سبب الإخطار الروسي إلى رغبتها في إقامة قاعدة دائمة في جفرا، الواقعة جنوبيّ سرت، تكون بمثابة «حميميم ليبيا»، والتي يقال إن الطائرات الروسية المقاتلة التي ذهبت إلى ليبيا متمركزة في قاعدة جفرا. ولا تقتصر الأهداف الروسية، وفق الصحيفة، على جفرا، بل تريد أن تكون سرت أيضاً قاعدة بحرية روسية.
ما بين التقدّم التركي والمبادرة المصرية ستكون الساحة الليبية مفتوحة على انقلاب في موازين القوى ستتحدّد ملامحه في المرحلة المقبلة في ظل انهيار كامل لما يسمّى «النظام العربي».