بدأ سياسيون، وخبراء لصيقون بمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، يفصحون عن مخاوفهم حيال تداعيات سياسات دونالد ترامب الداخلية والخارجية على موقع بلاده المهيمن على المستوى الدولي. كثرت مثل هذه التحذيرات منذ توليه للسلطة، لكنها انحصرت بالشأن الخارجي بشكل عام. الجديد اليوم هو تناولها لسياسته الداخلية وما تعتبره تعميقاً متعمداً للشرخ بين الأميركيين، سيسرّع مع عوامل بنيوية أخرى، المسار التاريخي لتراجع سيطرة الغرب على العالم. لم يتردد وزير الدفاع الأميركي السابق، جايمس ماتيس، في اتهام الرئيس بالسعي لتقسيم الأميركيين، وحتى بعدم التظاهر بالحرص على وحدتهم، على عكس جميع الرؤساء الأميركيين السابقين. لم يعرف عن ماتيس شعور انساني مرهف، وهو الملقّب بـ«الكلب المجنون»، ولا تعاطف مع ضحايا العنف العنصري المؤسسي، المزمن في بلاد العم سام. أخشى ما يخشاه، هو وجميع المذعورين من تعاظم الشرخ الأميركي، هو انعكاساته السلبية جداً على دورها الإمبراطوري، خاصة في ظل التحدي المتمثل في صعود دور القوى غير الغربية، وفي مقدمتها الصين. الانقسام الداخلي والعلاقات المتوترة مع الحلفاء التاريخيين هما بلا ريب تهديد لهذا الدور. ومن الواضح أن جميع الممتعضين من سياسات ترامب، في الولايات المتحدة والغرب، يجدون في الظروف الحالية، وفي اقتراب الانتخابات الرئاسية، فرصة سانحة لتشديد الهجوم عليه.
كان الشرخ الداخلي، خلال حرب فيتنام، بين الأسباب التي أدت إلى الهزيمة


الانقسام الداخلي الأميركي ليس من صنع ترامب، على الرغم من أنه يزيده حدة منذ انتخابه. من الممكن القول إن السياق العام الجيوسياسي والجيواقتصادي، الناجم عن التحولات الاجمالية، التدريجية ولكن المستمرة، في موازين القوى الدولية، هو الذي أنتج هذا الانقسام. فكما يؤدي التوسع الخارجي ومأسسة النهب عبر التاريخ إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي و«السلم الأهلي» في المراكز الإمبراطورية، يفضي انحسار سيطرتها الخارجية إلى تأجيج تناقضاتها الداخلية، وتقويض هذا السلم على المدى البعيد. لن يشذ مآل الإمبراطورية الأميركية عن هذه القاعدة التي انطبقت على جميع تلك التي سبقتها. هذا هو الاستنتاج الذي توصّل إليه مثلاً المؤرّخ بول كينيدي، منذ 1988، في مؤلفه المرجعي «صعود وانحدار القوى العظمى»، وفي كتابه المهم الآخر (1992) «الاستعداد للقرن الحادي والعشرين»، والعديد من المفكرين البارزين كإيمانويل فالرشتاين وجيوفاني أريغي وإيمانويل تود. لم تنجح الولايات المتحدة في منع صعود «منافسين من المستوى نفسه» كما أوصى بول ولفوفيتز، في تقرير حمل اسمه أعدّه بطلب من البنتاغون عام 1992، ولا في الحؤول دون تمكّن «آخرين»، كالصين والهند، من توظيف العولمة، التي انطلقت كمسار بإشرافها، لمصلحتهم، وها هي تحصد اليوم النتائج المرّة لذلك. نوستالجيا الماضي المجيد، وهي من مؤشرات إدراك النخب والرأي العام لتراجع موقع بلدهم الدولي كما رأينا في العديد من الدول الاستعمارية الأوروبية الهرمة، تنتشر حالياً في أوساط أميركية عديدة، ونشهد مثلاً، على موقع «فورين بوليسي»، تباكياً على أيام هنري كيسنجر وسياسته الخارجيه «الواقعية». يرى قطاع متعاظم من الخبراء المعنيّين بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبعضهم وثيق الصلة بمراكز القرار و/أو بالدولة العميقة، كريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، أبرز منتدى لهؤلاء، أن التطورات الداخلية الأخيرة في بلادهم، كجائحة «كورونا» وتداعياتها، والاحتجاجات الشعبية على قتل جورج فلويد، سيكون لها «وقع عميق وطويل الأمد على نفوذها الدولي». ويضيف هاس، في مقال في «فورين أفيرز» نشر في 5 حزيران/يونيو، أن «السؤال الأبرز يتعلّق بالقدرات التي ما زالت متوفرة فعلاً للولايات المتحدة. هل باستطاعة دولة لديها 42 مليون عاطل من العمل، وناتج محلي إجمالي متراجع، ومصانع مغلقة، واحتجاجات واسعة النطاق تتحوّل أحياناً إلى أعمال شغب، وانقسام داخلي عميق، أن تكون لاعباً مؤثراً على المستوى الدولي؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست سهلة البتة. القدرات المتوفرة لا تقتصر على الأدوات العسكرية والاقتصادية، بل هي تعني أيضاً الاستعداد لاستخدامها... الميل إلى الانطواء نحو الداخل والابتعاد عن العالم نما باطراد بعد التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان. تشهد البلاد الآن شرخاً داخلياً متعاظماً، سيقضي على الأغلب على ما تبقى من استعداد للتدخل الخارجي، مهما كانت مبرراته الظرفية. بعض المنتحبين بسبب الأخطاء الأميركية في العقدين الماضيين سيرحبون بالاستدارة نحو الداخل. لكن الانطواء الكامل لا يقل خطورة عن نزعة التدخل الجامحة، لأنه يحرم واشنطن من إمكانية حماية مصالحها. لن يكون باستطاعتها أن تعزل نفسها عن عالم تعبر فيه الفيروسات والغازات الدفيئة والمجموعات الإرهابية والهجمات السيبرانية الحدود بكل سهولة».
في مقابل هذه القراءة المقدمة من قبل أحد رموز تيار وازن وعابر للحزبين بين النخب الأميركية المعنية بالسياسة الخارجية، يبرز اقتناع، خاصة بين مثقفين في العالم العربي، مفاده أن قوة النظام الأميركي وحيويته تؤهلانه لتجاوز الأزمة الحالية والاحتفاظ بموقعه الدولي وكأن شيئاً لم يكن. يقارن هؤلاء بين الاحتجاجات الراهنة وبين تلك التي وقعت في أواخر الستينيات، أي في أوج الاعتراض على حرب فيتنام وتنامي حركة الحقوق المدنية للأفارقة الأميركيين، ليخلصوا إلى أنها استطاعت البقاء قوة دولية أولى رغماً عن ذلك. هم يتغاضون عن أنها كانت في ذروة قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في تلك الحقبة، وأنها كانت تقود تحالفاً دولياً ضخماً في مقابل الاتحاد السوفياتي. تغيّرت الأوضاع كثيراً اليوم، على مستوى قدراتها وتحالفاتها، بينما هي تخوض غمار «تنافس استراتيجي» مع الصين وروسيا وتتبع سياسات عدوانية تجاه دول كإيران وفنزويلا. يذكر جنان غانيش، المحرّر المشارك في يومية «فايننشال تايمز»، الوثيقة الصلة بأوساط الأعمال في بريطانيا والولايات المتحدة، في مقال بعنوان لافت: «أميركا المنقسمة غير قادرة على المنافسة في تحد بين القوى العظمى»، بأن الشرخ الداخلي هو عامل ضعف كبير لأي طرف دولي، وبأنه كان، خلال حرب فيتنام، بين الأسباب التي أدت إلى الهزيمة الأميركية فيها.
بالتوازي مع سياسات تعميق الانقسام في الداخل، عمد ترامب إلى تسعير الخلافات مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين. يرفع قسم منهم الصوت، باسم ضرورة الاتحاد في مقابل «التهديد الصيني» لمحاولة حمله على تعديل سياسته حيالهم. رولان باريس، الزميل المشارك في «شاتام هاوس»، أي المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا، رأى في مقال على موقع الأخير أن «الديمقراطيات المنقسمة لا تستطيع مواجهة التحدي الصيني». وبعد أن أعلن عن لائحة اتهامات للصين تتضمّن السعي للسيطرة على الهيئات الدولية والهيمنة على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، والترويج لنموذجها من «الرأسمالية السلطوية» واستخدام أدواتها الاقتصادية والمالية كرافعة للتحكم سياسياً في بلدان عديدة، دعا باريس «الديمقراطيات الليبرالية» إلى تجاوز خلافاتها المتفاقمة، والناجمة أوّلاً وأساساً عن طريقة تعامل ترامب مع بقية الحلفاء، للتفاهم على خطة مواجهة ملائمة. سينتهز أطراف عديدون، في أوروبا والولايات المتحدة، مأزق ترامب الداخلي للعمل على إضعاف حظوظ إعادة انتخابه عبر المشاركة في تهشيم صدقيته. غير أن الشروخ التي أسهم في تعميقها، مهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة، ستسرّع الانحدار الأميركي في عالم تعتمل فيه تغيّرات كبرى.