بدا استقبال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الخميس الماضي، لرئيس حكومة «الوفاق الوطني» الليبية فايز السراج، في القصر الرئاسي في أنقرة، كما لو أنه تتويج لسلسلة التقدّم الميداني الذي حقّقته حكومة طرابلس بدعم مباشر ومؤثّر من الجيش التركي. الرجلان كانا ضاحكي الوجه مرتاحين لما تحقّق.

يشبه التدخّل العسكري التركي في ليبيا، بعد اتفاقية أنقرة في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، التدخل العسكري الروسي في سوريا في نهاية أيلول 2015. التدخلان قلبا الموازين رأساً على عقب، وإن لم ينهيا أو يحسما الحرب المفتوحة في البلدين على مزيد من الاستنزافات والتعقيدات والسيناريوات. أبعد التدخل التركي الخطر عن العاصمة طرابلس، وانتقل جيش السراج بمساعدة مكثفة من الطائرات التركية للسيطرة على مزيد من الأراضي والمدن التي كانت تحت سيطرة اللواء خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني» التابع للبرلمان الليبي في بنغازي.
رسمت اتفاقية أنقرة للتعاون الأمني وترسيم الحدود الإطار العريض لعلاقات جديدة بين البلدين ولخريطة جديدة في شرق المتوسط. كان الجانب الاقتصادي بارزاً في التعاون التركي ــــ الليبي. السراج أعلن عن آفاق واسعة للتعاون بين ليبيا وتركيا في مجال الثروات الطبيعية، معرباً عن أمله بأن الشركات التركية تنشط من جديد في ليبيا. فيما قال إردوغان إن الهدف هو التعاون للاستفادة من الثروات الطبيعية في شرق المتوسط، بما في ذلك التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة.
لكن هذا النوع من المشاريع يفتح على توترات بين تركيا، من جهة، واليونان وقبرص اليونانية من جهة أخرى. فلا تركيا تعترف بترسيم الحدود البحرية بين قبرص اليونانية وجيرانها، ولا اليونان وقبرص تعترفان بالاتفاق التركي ــــ الليبي. وبالتالي كل طرف يرى أن الآخر ينتهك حدود منطقته الاقتصادية الخالصة في شرق المتوسط. وزير الدفاع اليوناني نيكوس باناغيوتو بولوس، حذّر تركيا، الأحد الماضي، من أنه إذا قامت تركيا بأي عمل استفزازي، فإن بلاده ستدافع عن حقوقها ومستعدّة لكل السيناريوات، ومن بينها استخدام القوة العسكرية. فيما قال نائب رئيس الحكومة ستيليوس بيتساس: «نحن حاضرون للرد ولا نخاف من تركيا». وترى صحيفة «يني شفق»، المؤيّدة لإردوغان، إن هذه التصريحات تعكس حجم القلق اليوناني من التقدّم الذي تحرزه السياسة التركية في ليبيا وشرق المتوسط. وترى الصحيفة أن تصريحات المسؤولين اليونانيين تعبّر عن رغبة في صدام مع تركيا في حال توفّر الفرصة لذلك. وتذكّر الصحيفة بأن بعض الساسة اليونانيين شجّعوا على فتح حرب مع تركيا بعد انقلاب 15 تموز/ يوليو 2016 حيث كان الجيش التركي في حالة تشرذم غير مسبوقة. لكن اليوم هل يمكن أن تفكر أثينا بالطريقة ذاتها لكبح جماح المكاسب التركية في ليبيا وشرق المتوسط؟ إنه سؤال صعب والجواب عنه بالنسبة إلى أثينا أصعب، تقول الصحيفة.

تعتقد تركيا أن نهاية حفتر قد حانت وأن الولايات المتحدة وروسيا بدأتا تريان ذلك


إذا كانت ليبيا تستفيد من التعاون مع تركيا، وتحديداً في تغيير موازين القوى في الساحة العسكرية، فإن تركيا تهدف، فضلاً عن توسيع نفوذها في مواجهة خصومها مثل مصر والسعودية والإمارات، إلى تحقيق مكاسب من التنقيب عن النفط والغاز الليبيين لتعويض التراجع الكبير في احتياطها النقدي من العملة الصعبة الذي خسر في الأشهر الأخيرة بسبب «كورونا» وتدهور سعر صرف الليرة التركية حوالى 55 مليار دولار من احتياط العملات الصعبة.
تعتقد تركيا أن نهاية حفتر قد حانت وأن الولايات المتحدة وروسيا بدأتا تريان ذلك. ويقول الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين، إن واشنطن وموسكو وصلتا اليوم إلى النقطة التي كانت تركيا قد وصلت إليها قبل وقت طويل. ويقول قالين إنه تحدّث مع مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين، ولمس منه تغييراً في الموقف الأميركي وميلاً إلى فتح صفحة جديدة في العلاقة مع حكومة السراج. وفي منتصف أيار/ مايو الماضي، أعرب الأمين العام لـ«حلف شمالي الأطلسي» جينس ستولتنبيرغ، لإردوغان، عن دعم الولايات المتحدة لحكومة السراج، ووعد إردوغان السراج بنقل القضية الليبية إلى المحافل الدولية، في وقت تصاعد فيه التوتر بين تركيا وروسيا بسبب إرسال روسيا مساعدات عسكرية للواء حفتر. ويذكّر قالين بأن تركيا ليست لاعباً جديداً في ليبيا، فهي كانت في الثمانينيات في رأس الشركات التي عملت على إنشاء بنى تحتية من طرق ومستشفيات وموانئ وفنادق وجسور ومساكن. كلام قالين عن تغيير في الموقف الأميركي من ليبيا قد لا ينسحب على الموقف من الصراع التركي ــــ اليوناني في شرق المتوسط، إذ إن الناطق باسم الخارجية الأميركية رأى أن التحرّكات التركية في شرق المتوسط (التنقيب عن الغاز) «استفزازية ولا تساعد على حل المشكلات».
في المشهد العام، منذ مطلع 2019 ولا سيما بعد تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» الذي استُبعدت منه تركيا، لم تعد القضايا مقتصرة على منطقة معينة. ومع توقيع إردوغان ــــ السراج اتفاقية 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، باتت كل القضايا في شرق المتوسط سلّة واحدة، من التنقيب عن النفط والغاز إلى ليبيا وسوريا وقبرص. ولا تنفصل سوريا عن هذا المشهد العام. فالولايات المتحدة تحاول التوفيق بين أكراد سوريا ومسعود البرزاني من أجل إنشاء منطقة نفط جديدة في شرق سوريا يسيطر عليها الأكراد المؤيّدون لحزب «العمّال الكردستاني». ويبرز هنا الدور النشط لمبعوث دونالد ترامب إلى سوريا جيمس جيفري، الذي يقوم بدور الوسيط بين أكراد سوريا التابعين لخط أوجلان ومسعود البرزاني. كذلك يتحرّك بكثافة قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط فرانك ماكنزي، الذي التقى قيادات كردية وفي رأسها قائد «قوات سوريا الديموقراطية» مظلوم كوباني.
وبموازاة العمل على دستور جديد لسوريا، يبدو هدف «سوريا فدرالية» أولوية للولايات المتحدة، بحيث تعمل الولايات المتحدة على فدرالية كردية في شرق الفرات، على أن تعترف واشنطن بفدرالية تابعة لتركيا في غرب الفرات التي تحتلها تركيا منذ عام 2016، وهذا يقرّب بين تركيا والولايات المتحدة ويبعد بين تركيا وروسيا. كما ينسجم هذا مع تصريحات مسؤولين أتراك أخيراً بأن العلاقات التركية ــــ الروسية ليست استراتيجية. وبالتالي، فإن تركيا تستخدم علاقاتها مع روسيا ورقة مساومة للهدف النهائي، وهو التحالف مع واشنطن في سوريا وليبيا. ولعل مبادرة الرئيس المصري إعلان وقف للنار في ليبيا هي محاولة لمنع تقدّم جيش السراج والقوات التركية نحو الشرق الليبي وأخذ جرعة من الوقت لتقييم الموقف وما يمكن فعله لمواجهة تطلعات تركيا ومعها جماعات «الإخوان المسلمين» في ليبيا وتونس. لكن فرض أمر واقع في ليبيا (غرب/ شرق) يدفع إلى الواجهة سيناريو مشابهاً لما يخطط له في سوريا (شمال/ جنوب) أي تقسيم سوريا وليبيا إلى فدراليات.