لم يكن مفاجئاً موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال جلسة الحكومة، حين قال إن فيروس كورونا «لا يقلّل عزمنا على العمل ضد إيران»، إذ إنه الموقف التقليدي الذي يُعبر عن مؤسسة القرار في تل أبيب، وهو يحتاج إلى تأكيده في ظل ما تشهده بيئة العدو الداخلية والإقليمية والعالمية من متغيرات تُثقل على مجالات الحياة في الكيان. فإن كانت تداعيات الفيروس مؤثرة في خيارات إسرائيل العدوانية، أو على الأقل بعض مستويات هذا العدوان، يحتاج نتنياهو إلى أن يُبدِّد هذه الصورة حتى لا تبدو إسرائيل مردوعة، لأنه يدرك الأثمان الكبيرة التي يمكن أن تدفعها في حال انكشفت مردوعيتها أمام أعدائها. وفي حال لم يكن لهذه التداعيات، بشقّيها الصحي والاقتصادي، تأثير كبير في الخيارات العدوانية، فهو يحتاج أيضاً إلى أن يؤكد هذا المفهوم، لأن أي تصور آخر في وعي أعداء إسرائيل سينعكس على ردود أفعالهم ضد أي ارتقاء في اعتداءاتها إلى مستويات قد تستدرج تدحرجاً ما، ولا سيما أن فكرة أن «كورونا» يثقل على تل أبيب، ما قد يدفع الأطراف المقابلة إلى الارتقاء في الردود المضادة، تعمّق منسوب المخاوف لدى قادة العدو من الرد المضاد الذي يؤدي إلى تدحرج لا يريدونه.

بعيداً من رسائل نتنياهو ومناوراته السياسية، لا تنحصر مفاعيل أي من العوامل الداخلية والخارجية المفترض أن تؤثر في قرارات قادة العدو بين العدم وبين الكبح المطلق عن المبادرة، فضلاً عن أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة في مواجهة «كورونا» بعدما اضطرت إلى رفع الإغلاق الاقتصادي نتيجة الأثمان الكبيرة في هذا السياق خلال ثلاثة أشهر فقط، بل تعالت الأصوات الإعلامية والرسمية التي تؤكد أن إسرائيل لن تعود إلى الإغلاق الاقتصادي التام حتى لو شهدت موجة ثانية، والسبب أن الاقتصاد لا يتحمّل ذلك. ويتصف التحدي الذي يمثله الفيروس وتداعياته عما سبق أن واجهته إسرائيل من أزمات (بما فيها أزمة «العقد الضائع»، 1973-1984، التي أدت إلى أزمة اقتصادية خانقة غير مسبوقة في تاريخها) في أن أسبابه ليست في متناول يدها، وحلوله الجذرية ليست اقتصادية. في المقابل كان جزء أساسي من أسباب أزمة الثمانينيات نتيجة سياسات إسرائيلية، ولذلك فإن الجزء الأساسي من حلولها كان مرتبطاً بتعديل هذه السياسات.

أكّد نتنياهو أن «كورونا لا يقلّل عزمنا على العمل ضد إيران»


الصفة الأخرى، التي تقلق مؤسسات القرار والتقدير الإسرائيلية، أن اللايقين هو الغالب على آفاق المسار الاقتصادي الذي نتج عن «كورونا»، انطلاقاً من أن حله الجذري يكمن في لقاح، وهو أمر مفتوح على الاحتمالات السلبية والإيجابية، ما يعني أن المعطيات والتقديرات التي تقدمها الجهات المختصة مرهونة بسيناريوات لا يستطيع أي منهم تحديد أرجحية مبنية على أسس صلبة، وهذا ما أقر به «بنك إسرائيل» في تقديره السنوي، مع الإشارة إلى أن مؤسسات القرار تنظر إلى معطيات الواقع الحاضر سواء أكانت إيجابية أم سلبية في ضوء آفاقها المستقبلية المقدَّرة، وعلى ذلك يُحدِّدون أولوياتهم وسياساتهم. وفي معطيات الواقع الذي أنتجه الفيروس، نشر «مكتب الإحصاء المركزي» تقديرات أكد فيها أن الاقتصاد الإسرائيلي تقلّص بنسبة 7.1% في الربع الأول من 2020، لافتاً إلى أن هذا هو «أكبر تقلّص منذ 20 سنة»، وهو أشد مما كان عليه بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 والانهيار الاقتصادي العالمي سنة 2008. يعود ذلك إلى أن إجراءات الإغلاق، التي بدأت منتصف آذار/مارس الفائت مع اضطرار الشركات إلى إغلاق أبوابها وإلزام الجمهور البقاء في المنازل، أدت إلى توقف النشاط الاقتصادي بشكل شبه تام. نتيجة ذلك قفزت أرقام البطالة من مستوى منخفض بلغ 4% في بداية آذار/مارس لتصل إلى أكثر من 25% في بداية نيسان/أبريل، وبذلك تجاوز عدد المتعطّلين عن العمل مليون شخص لأول مرة في تاريخ إسرائيل.
بالموازاة، وعلى وقع الوتيرة المتسارعة لتداعيات الفيروس، يحاول «بنك إسرائيل» أن يُعزِّز وتيرة تقديراته السنوية، فبعد تقديره في نيسان، توقّع أخيراً أن ينكمش الاقتصاد في العام الجاري بنسبة 5.3%، بعدما كان التقدير أن ينكمش 4.5%. في المقابل، قدَّر البنك أن يكون نمو الإنتاج في عام 2021 بـ6.8%، بعدما كان سابقاً يُقدر أن يكون بنسبة 8.7% في السنة المقبلة. كذلك، لا يُقدر البنك أن يكون الخروج من الأزمة سريعاً كما عام 2009، في أعقاب الأزمة العالمية. ويتوقع أن يجدد البنك تقديره في ضوء رفع إجراءات الإغلاق، إذ تراقب الجهات المختصة مدى نجاح القرار الذي اتخذته الحكومة في الجمع بين احتواء الفيروس وإعادة تحريك عجلة الاقتصاد لتخفيف الأضرار. ومع انتظار النتائج الأولية، يرى خبراء اقتصاديون إسرائيليون أن المشكلة الكبرى الآن هي ضبابية الرؤية المستقبلية، وهذا ينعكس في تضارب التقديرات حتى بين المؤسسات المالية الرسمية، مثل ما تصدر عن «بنك إسرائيل المركزي»، التي تعد أقل تشاؤماً مقارنة مع ما يصدر عن وزارة المالية التي تتسم بطابع سوداوي.
من غير الواضح كيف سيتفاعل السوق مع بدء رفع القيود، وهل ستعود الحياة إلى طبيعتها. كما ليس واضحاً هل شهدت إسرائيل جولة عابرة، أو ستتحقق بعض التوقعات باجتياح جديد لـ«كورونا» الذي سيضعها أمام خيارات صعبة. سيبقى هذا التجاذب إلى حين التوصل إلى لقاح علاجي، وهكذا ستكون التحديات التي تواجه إسرائيل هي نفسها التي تواجه كبرى الدول الاقتصادية مع تفاوت يتصل بظروف كل دولة وقوة اقتصادها. والسيناريوات التي تتأرجح بينها تل أبيب هي نفسها التي تسود في عواصم القرار، وكذلك المخاطر التي تهددها تهدد الاقتصاد العالمي، مع إضافة أن ظروف إسرائيل الاستراتيجية والأمنية توسِّع دائرة العوامل المحتملة في بلورة مستقبل المسار الاقتصادي والصحي في كيان العدو والمنطقة، في حال الانزلاق إلى مواجهة كبرى في المنطقة، وهو معطى لا تستطيع مؤسسات القرار في تل أبيب تجاهله لدى دراسة أي خيارات عملانية واسعة أو محدودة.