بين التطوّرات المهمّة التي ظهرت للعيان خلال الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الولايات المتحدة ضد جريمة قتل جورج فلويد والعنف العنصري المؤسّسي للدولة الأميركية وأجهزتها الأمنية، المشاركة الحيوية والبارزة للمجموعات المعادية للفاشية (Antifa). استفزّ هذا الدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لدرجة أنه أعلن نيته إدراجها على اللائحة الأميركية للمنظمات الإرهابية، المرشّحة دوماً للتوسّع. وقد أثار هذا الدور تساؤلات عديدة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية، لأنها المرّة الأولى منذ عقود طويلة التي تشارك فيها مجموعات يسارية معادية للرأسمالية بحراك شعبي كبير على النطاق الوطني. رأى بعض هؤلاء أن حجم هذه المشاركة مبالغ فيه وأن الاحتجاجات، وما تخلّلها من مواجهات مع الأجهزة الأمنية ومن تحطيم للمتاجر وللأملاك «العامة»، من فعل جمهور عريض يضم أيضاً عصابات إجرامية، وحتى عناصر يمينية متطرّفة مدسوسة أو عملاء للأجهزة الأمنية يهدفون إلى استدراج قمع أكبر من الدولة الأميركية للحراك الشعبي. قد تتضمّن هذه التحليلات بعض الحقيقة، فاختراق الاحتجاجات الشعبية من قبل الجماعات الفاشية أو الأجهزة الأمنية للدول المعنية وقيامها بأعمال تبرّر القمع البوليسي هو أمر معروف في التاريخ السياسي للديمقراطيات الغربية. غير أن عودة تيارات معادية للرأسمالية للصعود في هذه البلدان نتيجة تداعيات أزماتها في طورها المعولم والنيوليبرالي هي أيضاً حقيقة صلبة، حتى في معقلها الأميركي. ولا شك في أن مفاعيل جائحة «كورونا» الكارثية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، 40 مليون عاطل عن العمل حتى الآن في الولايات المتحدة، هي بين العوامل البنيوية المغذّية لهذا الصعود.

ارتبط وصول أحزاب فاشية إلى السلطة، كما حصل في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا مثلاً في ثلاثينات القرن العشرين، بالأزمة العامة للأنظمة الرأسمالية في تلك الحقبة. انحازت قطاعات بعينها من قوى الرأسمالية الصناعية والمصرفية والتجارية إلى هذه الأحزاب الفاشية لمواجهة التهديد الممثّل بالأحزاب الشيوعية والقوى اليسارية الجذرية التي تنامت بسرعة في الحقبة نفسها واستطاعت في بلد كإسبانيا من استلام السلطة عن طريق الانتخابات في عام 1936، ما دفع بالفاشيين، بقيادة فرنكو، إلى تفجير حرب أهلية بدعم وتواطؤ من بقية الدول الرأسمالية الأوروبية مكّنتهم في النتيجة من الانتصار على الجمهورية الإسبانية الفتية سنة 1939. شكّلت الأحزاب الفاشية عملياً قوّة احتياطية للطبقات الرأسمالية المحلّية والعالمية. فقد أظهر تقرير نُشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية في 25 أيلول 2004، كيف ساهمت قطاعات من الرأسمالية الأميركية، وبينها عائلة بوش ووالد جورج بوش الأب، عضو مجلس الشيوخ بريسكوت بوش، وشركة «براون برازرز هاريمان» الصناعية، وهي التوأم الأميركي لشركة الصناعي الألماني فريتز تايسن، أبرز مموّلي الحزب النازي، في دعم وصول أدولف هتلر إلى السلطة. المصالح المشتركة، الاقتصادية والمالية، إضافة إلى مشتركات أيديولوجية، كالإيمان بتفوّق «العرق الأبيض»، والعداء الأعمى للشيوعية باعتبارها خطراً قاتلاً على الملكيّة الخاصة «المقدّسة» والمبادرة الفردية، كانت أساس هذا التعاون. من جهة أخرى، فإن هتلر كان من أشد المعجبين بالمنظومة القانونية الأميركية التي شيّدت نظام الفصل العنصري الذي ساد في الولايات المتحدة حتى سنة 1964، كما كشف جيمس ويتمان، أستاذ القانون المقارن في جامعة يال، في كتابه المرجعي «نموذج هتلر الأميركي» الصادر عن جامعة برينستون عام 2017. يشير ويتمان إلى أن هتلر استلهم قوانين نورمبيرغ العنصرية من المنظومة القانونية الأميركية المشار إليها. لكن جنون عظمة هذا الأخير وجموحه الذي لا يعرف حدوداً قاداه إلى الصدام مع بقيّة الرأسماليات وجميعنا يعرف بقيّة القصة.
بعد الحرب العالمية الثانية، بات العداء للفاشية والنازية من ثوابت الأيديولوجيا الديمقراطية السائدة، مع إفراغ هذا العداء من أي مضمون معاد للرأسمالية طبعاً. لكن مع أواخر سبعينات القرن العشرين، ودخول أحزاب اليمين المتطرّف، ذات الخلفيات الفاشية، إلى حلبة السياسة مجدداً، بعد تعهّدها باحترام قواعد «اللعبة الديمقراطية»، تكتّلت مجموعات يسارية جذرية، ماركسية وأناركية، للتصدّي لهذه الأحزاب ولخطابها العنصري الموجّه ضد أكثر فئات الطبقات الشعبية فقراً وضعفاً، العمّال المهاجرين وعائلاتهم، ولممارساتها الإجرامية بحقّهم. فقد قام أنصار لهذه الأحزاب، خلال العقود الأخيرة، بعشرات الاعتداءات وعمليات القتل ضد المهاجرين وأبنائهم ونجح خطابهم الذي يحمّل الأخيرين مسؤولية البطالة والأزمة الاجتماعية وانعدام الأمن والإرهاب وتهديد «الهوية الأصلية» للبلاد، في استمالة كتل اجتماعية وازنة في الدول الأوروبية. تمكّنت هذه الأحزاب أيضاً من تحويل وجود المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة إلى قضية سياسية مركزية على رأس جدول أعمال «أحزاب الحكم المعتدلة»، اليمينية منها وحتى اليسارية، التي لم تتردّد في تبنّي بعض آرائهم وأطروحاتهم لجذب جمهورهم الانتخابي، ولأنها تفضّل تحميل مسؤولية الكلفة الاجتماعية الباهظة لخياراتها النيوليبرالية الاقتصادية للمهاجرين بدلاً من إعادة النظر فيها. بهذا المعنى، استطاعت قوى اليمين المتطرّف أن تحقّق نوعاً من الهيمنة الأيديولوجية وانتشرت أطروحاتها في العديد من الأوساط الأكاديمية والسياسية والإعلامية وفي أجهزة الأمن ومؤسسات الدول الديمقراطية العتيدة. وتزيد التغييرات في موازين القوى الدولية، مع صعود القوى غير الغربية، الاقتصادي والسياسي وحتى العسكري، والتراجع التدريجي ولكن المستمر للهيمنة الغربية، وما تثيره من عصبية بيضاء منفلتة من عقالها، من تفشي الأطروحات الفاشية، وتدفع إلى تشكيل تحالفات بين اليمين التقليدي والمتطرّف وانتخاب ممثّلين عن هذه التوجهات، كترامب في أميركا وجونسون في بريطانيا وأوربان في المجر وبولسنارو في البرازيل. المجموعات المعادية للفاشية، الناشطة اليوم في دول أوروبية وفي الولايات المتحدة، مدركة للصلة الوثيقة بين أزمات الرأسمالية المعولمة وانحياز أجنحة فيها إلى خيارات نيوفاشية، وهي تربط بين مقاومة هذه الخيارات وبين ضرورة بلورة بديل من الرأسمالية. نجاح هذا التيار في استقطاب أوساط شبابية في الولايات المتحدة دليل بذاته على عمق الأزمة في بلاد «الجنّة الرأسمالية» بامتياز وعلى أفول قوّتها «الناعمة». في زمن آخر، قال مالكوم إكس، القائد الأفريقي-الأميركي الذي اغتيل من قبل الأجهزة الأميركية، إن لا حلم أميركياً بالنسبة إلى الأفارقة-الأميركيين، بل مجرّد كابوس أميركي. يبدو أن هذه القناعة اليوم آخذة في الانتشار بين مكوّنات أخرى من المجتمع الأميركي.