جورج فلويد، اسم جديد أضيف إلى لائحة ضحايا الإمبراطورية العاتية، الطويلة والممتدة عبر القرون. خيط بياني واحد يجمع بين إبادة سكّان أميركا الأصليين، وخطف ملايين الأفارقة من بلادهم واستعبادهم، والحروب الدائمة ضد الجنوب، وما تسبّبه من مجازر ونكبات، وبين «اصطياد» الأفارقة - الأميركيين في الشوارع، وحتى في منازلهم. إنه العنف المؤسّسي الممنهج، الذي لولاه ما قامت أبشع إمبراطورية استعمارية في التاريخ، وما استمرت إلى اليوم. سينبري بعض المتيّمين بالديموقراطية «الأعرق» وبقيمها «الكونية» للتأكيد أن جريمة قتل فلويد، وغيرها من الجرائم بحق أفارقة - أميركيين، ارتكبها أفراد عنصريون «بلا شك»، لكنها ليست تعبيراً عن عنصرية مؤسسية، وأن هؤلاء القتلة سيحاكمون، وبأن التمييز العنصري قد ألغي من «النصوص» منذ عقود طويلة، وبأن هناك طبقة بورجوازية سوداء تشكّلت خلال نصف القرن الماضي، وبأن أميركا انتخبت لمرتين متتاليتين رئيساً أسود. وبالفعل، هي لم تتردد في أن تضع قناعاً أسود لحجب بربريتها البيضاء! من أراد أن يصدّق سرديتها عن نفسها، المتداعية بسرعة في السنوات الأخيرة، فليفعل. أما من أراد أن يفهم حقيقة ما يجري اليوم في المستعمرة الأكبر، فعليه ربما أن يستمع إلى ما يقوله أول المعنيين، ضحايا العنصرية المؤسّسية، الذين خاضوا نضالاً مريراً عبر القرن العشرين وإلى اليوم ضدها ومن أجل المساواة الفعلية بالحقوق. هؤلاء، بمن فيهم الذين فازوا بـ«شرف» الانتساب إلى نادي النخبة السياسية والاقتصادية في بلاد العم سام، ينظرون لأنفسهم، أو يتذكرون، أنهم جماعة مضطهدة من دولة تأسست على التراتبية الطبقية والعرقية. ومع كل جريمة بحقهم، يتضح أن للديمقراطية، التي من المفترض أن تسود المساواة القانونية بين مواطنيها داخل حدودها، وإن كانت استعمارية ومجرمة خارجها، حدوداً داخلية تفصل بين أصحاب «الامتياز الأبيض» و«أجساد الاستثناء» الأكثر سماراً.


عن «الامتياز الأبيض»
«لدي امتياز كإنسان أبيض لأنني أستطيع القيام بجميع الأمور التالية من دون التفكير مرّتين: أستطيع الخروج للتنزه (كريستيان كوبر) أو لممارسة رياضة الجري (آمود أربيري)، أو أن أخلد إلى الراحة في منزلي (بوتيم شين وأتاتيانا جيفيرسون)، أو أن أطلب المساعدة بعد حادث سير (جوناثان فيريل ورينيشا ماكبرايد)، أو أن أذهب إلى الكنيسة (مجزرة شارلستون، 9 أشخاص) أو أن أحتفل برأس السنة (أوسكار غرانت)... أو أن أعتقل من دون أن أقتل (جورج فلويد). الامتياز الأبيض حقيقة. حاولوا التفكير ولو لدقيقة في حياة إنسان أسود البشرة اليوم». شارك عشرات الممثلين والفنانين الأميركيين في إعادة نشر هذه التغريدة، وهي تتضمّن لائحة طويلة من الأمثلة عمّا يستطيع إنسان أبيض أن يفعله بكل أمان وإلى جانب كل مثال اسم لشخص، أو أكثر، من الأفارقة الأميركيين تعرض للقتل عند قيامه بالأمر نفسه. أوّل ما يلفت هو أن قسماً كبيراً من عمليات القتل هذه، وهي بالعشرات، ارتكبتها الشرطة الأميركية، لا مجموعات من الفاشيين المأفونين، أي الجهاز المكلّف نظرياً بحماية «المواطنين». عندما تتكرر هذه الجرائم عشرات المرّات في السنوات الأخيرة من قبل أجهزة الأمن الرسمية، ومئات إن لم يكن آلاف المرّات في العقود الماضية، نصبح أمام سياسة نظام وليس أمام أفعال «فردية» بدوافع عنصرية. في الواقع، فإن سياسة استسهال اللجوء إلى القوّة الغاشمة والقتل بحق الأفارقة - الأميركيين من قبل الأجهزة الرسمية الأميركية، هي جزء لا يتجزأ من منظومة سيطرة استعمارية داخلية للدولة الأميركية على الأفارقة الأميركيين.
إضافة إلى القتل المشهدي الهادف إلى الترويع، هناك الانتشار شبه العسكري للشرطة في الأحياء التي يقطنونها وتسيير دوريات استفزازية فيها، وقد يلي ذلك انتشار للجيش كما يحصل الآن عند وقوع اضطرابات واسعة، واللجوء المنهجي إلى الاعتقال والسجن بحقهم لأتفه الأسباب (يمثّل الأفارقة - الأميركيون بحسب إحصاء عام 2016 نسبة 13,31% من مجمل سكان البلاد، بينما تصل نسبة المسجونين منهم من العدد الإجمالي لهؤلاء 37%)، والأهم وهو قمع حركاتهم المناضلة من أجل المساواة بالحقوق وتصفية أبرز قادتها. خلال القرن العشرين، وفي مواجهة تصاعد نضال الأفارقة - الأميركيين ضد الفصل والتمييز العنصري، الذي بقي سائداً حتى إلغائه رسمياً من قبل الرئيس ليندون جونسون سنة 1964، عمدت الدولة الأميركية، عملاً بخطة وضعها مدير جهاز «أف بي آي» الشهير إدغار هوفر، اسمها «كونتلبرو»، إلى اغتيال قادة هذا النضال، المعتدلين منهم كمارتن لوثر كينغ، والجذريين، كمالكوم أكس، ومسؤولي حزب «الفهود السود»، كفريد هامبتون وهيوي نيوتن، أو سجنهم لعقود بحجة جرائم لم يرتكبوها، كجيرونيمو برات وموميا أبو جمال، الذي ما زال معتقلاً منذ عام 1981 إلى يومنا هذا (للمزيد من الاطلاع يمكن مشاهدة الوثائقي المهم الذي أنتج في 1997 والموجود على «يوتيوب» بعنوان «All The Power To The People»).

«أجساد الاستثناء»
وجود الأفارقة - الأميركيين في الولايات المتحدة هو نتاج مباشر لإحدى أبشع العمليات الاستعمارية في العالم الحديث. استوردوا كعبيد من بلادهم الأصلية ولعبوا دوراً مركزياً، كيَد عاملة مجانية في حقل القطن والمناجم، في ازدهار صناعة النسيج والصناعات التحويلية للرأسمالية الأميركية، وبقوا بعد إلغاء العبودية في السلّم الأدنى للهرمية الاجتماعية. وكان للعنصرية وظيفة أيديولوجية أساسية لتسويغ هذه الهرمية وإدامتها. وبما أنهم، كبقية الشعوب والجماعات المضطهدة من الاستعمار، لم يرتضوا المصير الذي فرض عليهم، فقد تم التصدي لتطلّعهم إلى الحرية بالأدوات الاستعمارية نفسها، ولكن داخل مركز استعماري هذه المرّة. الإشكالية هي أن هذا المركز نظام ديموقراطي داخل حدوده يطبّق فيه نظرياً، بعد إلغاء الفصل العنصري المشار إليه سالفاً، مبدأ المساواة بين المواطنين والقوانين السائدة. غير أنهم كانوا عرضة لمعاملة «استثنائية» تتعارض مع هذه القوانين ومع الدستور الأميركي. مفكّر جزائري، سيدي محمد بركات، أوضح في كتاب بعنوان «أجساد الاستثناء»، كيفية حل الدول الاستعمارية لمثل هذه «الإشكالية». تناول الأخير في كتابه المذبحة التي ارتكبتها الدولة الفرنسية بحق مئات الجزائريين في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1961 الذين تظاهروا في باريس مطالبين بوقف حرب الجزائر. وعلى الرغم من أن حالة الاستثناء لم تكن معلنة في فرنسا آنذاك، مورس الاستثناء، أي القتل والتنكيل، بحق هؤلاء بحجة تهديدهم لأمن الدولة والنظام العام، وسمحت الأيديولوجيا السائدة بتبرير الجريمة وبعدم الاعتراف بها رسمياً. لم تعترف فرنسا بوقوع مئات القتلى إلا سنة 1991! عندما يتحدّث ترامب عن إطلاق النار وعن الكلاب الشرسة، يستعيد محطات في تاريخ تعامل الولايات المتحدة مع الأفارقة-الأميركيين تلقى آذاناً صاغية عند جمهوره المغرق في العنصرية وعند بعض النخب الأميركية. الجماعة المضطهدة تتحوّل إلى طابور خامس وخطر على الأمن العام بمجرّد أن تطالب بحقوقها، فكيف إذا فعلت عبر احتجاجات عنيفة؟ يصبح «الامتياز الأبيض»، الذي يتجاوز الحق في حياة طبيعية ليشمل حصّة كل جماعة من الثروة العامّة وموقعها في النظام، مهدّداً بنظره وأمثاله، والخيار الوحيد هو الحرب!
لا شك في أن التظاهرات الدائرة في المدن الأميركية تضم، إلى جانب الأفارقة - الأميركيين، قطاعات وازنة من المتضرّرين من سياساته العامّة والمعارضين لها، لكنها تمثّل مرحلة جديدة في تاريخ هذا البلد الداخل في طور الانحدار المتسارع.