أكثر من 2500 شخص جرى توقيفهم خلال عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة. الاحتجاجات وأعمال العنف والمواجهات التي شهدها العديد من المدن الأميركية، دفعت إلى نشر الحرس الوطني في أكثر من ولاية، وفرض حظر التجوّل. ولكنّ كلّ ذلك لم يمنع من مواصلة الاحتجاج، فالأسباب لا تزال موجودة: رجلٌ أسود قُتل على أيدي رجال شرطة بيض بطريقة عنيفة، عملية تحمل الكثير من الرموز والمعاني بالنسبة إلى فئة كبيرة من المجتمع الأميركي، واتّهام بقتل غير متعمّد لا يشفي غليل المتظاهرين. ولكن وسط كلّ ذلك، يبدو أنّ دونالد ترامب وجد ضالّته أو شمّاعته، وهي منظمة «أنتيفا» اليسارية المتطرّفة التي اتّهمها بالوقوف وراء التحرّكات، من دون دليل على ذلك، وذهب إلى حدّ تصنيفها بـ«منظمة إرهابية»... تصنيف قد لا يعدو كونه مجرّد شعار أطلقه عبر إحدى تغريداته المستفزّة، في سبيل استمالة الأميركيين اليمينيين المتطرّفين، الذين يمثّلون قاعدته الانتخابية، والأكثر تضرّراً من نشاط هذه المنظمة.

لم تنفع مقاربة إدارة دونالد ترامب لأحداث مينيابوليس سوى في تطوّر الأوضاع في اتجاه معاكس لما تشتهيه. نُشر «الحرس الوطني» خلال اليومين الماضيين في أكثر من ولاية، فازداد الناس عنفاً في وجه كلّ من يضع شارة أمنية. صدر قرار بحظر التجوّل في أكثر من ولاية ــ بداية من مينيابوليس ــ فاختار الناس التحدّي ومواصلة احتجاجهم. صدر قرار باتهام الشرطي المسؤول عن مقتل جورج فلويد بالقتل غير العمد، فطالبت عائلته والمتظاهرون الغاضبون بتوجيه تهمة بالقتل العمد...
النتيجة المباشرة: مواجهات في أكثر من عشرين مدينة، بينها لوس أنجلس وشيكاغو وأتلانتا، ونيويورك ودالاس، وفيلادلفيا. من سياتل إلى نيويورك، تظاهر عشرات الآلاف للمطالبة بتوجيه تهمة القتل العمد، وتوقيف آخرين في قضية فلويد. وقعت المواجهات بين المحتجّين والشرطة، وتواصل تكسير الواجهات الزجاجية للمحال. أحرقت سيّارات ومراكز تابعة للشرطة، كما نُظّمت تظاهرة لساعات أمام البيت الأبيض. وأصابت عدوى الاحتجاجات مجموعة كبيرة من المدن، بينها بوسطن ودنفر وديموين وهيوستن ولاس فيغاس وممفيس وبورتلاند...
كلّما كانت التظاهرات تتوسّع، ترتفع المخاوف من الفوضى العارمة، ولذلك أعلن حاكم مينيسوتا، تيم وولز، أنّه أمر بتعبئة عامّة لعناصر الحرس البالغ عددهم 13 ألفاً، من أجل «لَجم مثيري الشغب الذين ارتكبوا أعمال نهب وأضرموا النار» في منطقة سانت بول في مينيابوليس، في خطوة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. بل إن وولز ذهب أبعد من ذلك، فأشار إلى أنه بحث مع البنتاغون نشر قوّات من الجيش، فيما أوضحت صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ الشرطة العسكرية وُضِعت في حال تأهّب بطلب من ترامب، وهي بدورها خطوة غير مسبوقة منذ عقود.

يهدف تسليط ترامب الضوء على «أنتيفا» إلى حرف مسار الأمور


لا شيء ينزع فتيل التوتر، لكن لا شيء يمنع ترامب من مواصلة مقاربته الاستفزازية عبر نسب حالة الفلتان إلى «مجموعات من اليسار الراديكالي المتطرّف»، خصوصاً المُعادين للفاشية، في الوقت الذي رأى فيه حاكم مينيسوتا أنّ المشاغبين ينتمون إلى مجموعات مخرّبة، وجماعات تؤمن بتفوّق العرق الأبيض. ترامب تخطّى اتهامه بإعلان تصنيف حركة «أنتيفا» المناهضة للفاشية بـ«الإرهابية». إعلانٌ قد لا يخفّف عنف المتظاهرين وغضبهم، وعلى الأغلب لن يؤثّر في مسار التظاهرات، على أنه من غير المؤكد هل هذه المنظمة ناشطة فعلاً في الاحتجاجات. ولكنّه قد يساعد الرئيس في إيصال رسائل إلى قاعدته الانتخابية المؤلّفة من الأميركيين البيض واليمينيين المتطرّفين الذين يرون في المنظمة اليسارية عدواً لطالما خرّب جزءاً كبيراً من حياتهم وأنشطتهم. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ «أنتيفا» معروفة بعملها المخرّب للمناسبات التي ينظّمها اليمين المتطرّف، وهي تستخدم مجموعة من الأساليب من أجل ذلك، بما فيها الصراخ والغناء، وإنشاء سلاسل بشرية من أجل منع مرور المتظاهرين من اليمين المتطرّف. وبعض أنشطتها قد يكون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينشر عناصرها معلومات شخصية عن خصومهم، حتّى إنهم قد يتمكّنون من التسبّب في طرد بعض المتطرّفين اليمينيين من أعمالهم بعد فضحهم عبر الإنترنت...
إذاً، وجد ترامب ضالّته في «أنتيفا»، أو ربما يمكن القول إنه وجد الفرصة سانحة أخيراً من أجل المضي قدماً في هذا التصنيف الذي كان قد أعلن نيّته بشأنه أكثر من مرّة، منذ انتخابه؛ فتغريدته ليست الأولى في هذا المجال. بل إنه أمرٌ كان قد تكرّر على لسان سياسيين محافظين آخرين، مثل عضو مجلس الشيوخ عن تكساس تيد كروز. مع ذلك، لم يتّضح بعد هل تسعى إدارة ترامب بجدية إلى إدراج «أنتيفا» في هذا التصنيف عبر القنوات الرسمية، إذ سيتطلّب ذلك التنسيق مع أجهزة اتحادية، من بينها وزارات الأمن الداخلي والخزانة والعدل، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة استخبارات الدفاع، إضافة إلى مكتب التحقيقات الفدرالية.
لذلك، من المشكوك فيه أن تتمكّن الحكومة الفيدرالية من تحمّل عبء وصف «أنتيفا» كمجموعة إرهابية؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه «قانون باتريوت» عن «الإرهاب المحلّي»، لا يوجد أي بند في القانون الفيدرالي يتعلّق بتصنيف منظمات محلية إرهابية. بل إن القانون المعني يتحدّث فقط عن الجماعات الإرهابية الدولية. ورغم أن «باتريوت» ــــ الذي صدر عام 2001 ــــ يصنّف جماعات الإرهاب المحلّي التي تنخرط في أعمال عنف «عن طريق إخافة السكان المدنيين... للتأثير في سياسة الحكومة»، فإن تعريف «مكتب التحقيقات الفيدرالي» يشير منذ عام 2019 إلى الإرهاب المحلّي على أنه صادر عن الأفراد والجماعات «التي تتبنّى الأيديولوجيات المتطرّفة ذات الطبيعة السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو العرقية أو البيئية». أكثر من ذلك، يبدو أنّ ترامب عندما طرح هذا الاقتراح، منذ البداية، لم يكن يدرك أنّه محدود بالمنظمات الدولية لا المحلّية. لذا، قد يقتصر إعلانه الأخير على القيمة الرمزية، أو في حال صدر القرار فقد يكون عبارة عن أمر رئاسي، يخدم عبر توجيه مكتب التحقيقات الفيدرالي وغيره من منظمات إنفاذ القانون، باتجاه تحديد الأولوية في التحقيق في أنشطة المجموعة. باختصار، يمكن القول إن ترامب استسهل إطلاق هذا التصنيف لما يحمله من توسيع لمعايير «الإرهاب المحلّي» وصولاً إلى كل ما يسمى الفئات «المتطرّفة»، وهو ما لا يوفّر لإدارته طريقة لتحويل المناهِض إلى كبش فداء سياسي فقط، بل فرصة أخرى لإعادة تركيز الخوف الأميركي على أهداف غير موجودة، في حين أن التهديدات الحقيقية تواصل شنّ الحرب على المجتمع المدني.
انتقادات ترامب البلاغية حول الإرهاب اليساري غير دقيقة، والتصنيف الذي هدّد به دونه عقبات كثيرة، أولاها أنّ «أنتيفا» التي يتحدّث عنها لا تملك هيكلية واضحة ومتماسكة، وهو ما يطرح تساؤلات عن معنى خطوته قانونياً وتداعياتها. وثانيها، أنّ هؤلاء «اليساريين المتطرّفين» مسؤولون عن مقتل 2% من الأميركيين، خلال العقد الماضي، بينما ارتكب المتطرّفون اليمينيون 74% من جرائم القتل التي تدخل في إطار القتل لأسباب سياسية، وهي مستويات نمت فقط وسط موجة عالمية من النشاط اليميني المتطرّف. في المحصّلة، يمكن للمشرّعين، ولدونالد ترامب، أن يحتجّوا بقدر ما يشاؤون على عنف «أنتيفا»، لكن الحقيقة أنّ التطرّف اليميني أكثر خطورة.