يحلو للأميركيين اختصار الجُمل الطويلة، وإعادة تسمية الأشياء حتى السيئة منها على نحو لطيف. في أحيان كثيرة، يشار إلى الكلمات «الحساسة» من دون البوح بها فعلياً. كلمة «زنجي ــ Negro» على سبيل المثال، رغم ما تحمله من فظاعة وتاريخ ظالم بحق المواطنين ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة، يومأ إليها في الإعلام والمجتمع الأميركي بـ«The N word» أي كلمة N. هكذا، يُفكر المشاهد في الكلمة السيئة الذكر من دون أن يكون قد سمعها مباشرة، في محاولة تنم عن خجل لمحو ذكرى استعباد الأشخاص السود على يد السيّد الأبيض. على هذا النهج، يحاول مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، روبرت أوبراين، خلال مقابلة على شبكة «سي أن أن»، أن يوجّه سرداً لخلفية ما يجري من احتجاجات في بلاده، بالقول إن العنصرية ليست موجودة في النظام الأميركي، بل إن بعض «التفاحات الفاسدة (عناصر) داخل الشرطة هي عنصرية».

من غير الممكن فهم الزلزال الذي وقع في الولايات المتحدة من دون العودة إلى 25 أيار/مايو الماضي. ذلك اليوم، كانت امرأة بيضاء تدعى آيمي كوبر تتنزه بصحبة كلب لها من دون رسن، في حديقة سنترال بارك في نيويورك. خلال تجوّل كوبر، التفت إليها موظف في الحديقة يدعى كريس كوبر (من العائلة نفسها) وهو من أصول أفريقية. طلب كوبر منها التقيد بقوانين الحديقة وربط الكلب الذي تملكه برسن. استشاطت المرأة غضباً، وهدّدت كريس بأنها ستتصل بالشرطة وتبلغهم أن رجلاً أسود البشرة يهدّد حياتها وحياة كلبها. كل ذلك تمّ تصويره، وانتشر على كل منصات التواصل. هذه الحادثة أشعلت الغضب في مجتمع المواطنين السود، إذ كشفت بوضوح أن المواطنين البيض على علم بأن الشرطة تعامل ذوي البشرة السمراء بعنف، وهي لن تهتم بالبحث في حقيقة ما جرى معهم، بل ستستمع إلى كلام البيض.
تلك الحادثة كشفت أيضاً عن خوف المواطنين السود من الشرطة، لما لها من تاريخ قمعي ووحشي في التعامل معهم. وعلى رغم طرد آيمي من عملها ومصادرة كلبها، فإن الشارع كان يغلي، ولكن ليس إلى حدود الانفجار. غير أن يوم 25 أيار نفسه كان يحمل حادثة صادمة أخرى، هي خنق وقتل مواطن أسود يدعى جورج فلويد، بعد أن وضع شرطي أبيض رجله على رقبته قرابة تسع دقائق خلال عملية اعتقال من دون مقاومة. وعلى رغم أن الحادثة تم تصويرها في فيديو، فإنها لم تنتشر على النحو الكافي بدايةً، بسبب الحادثة الأولى مع آيمي.
بعد يوم واحد على خنق فلويد وقتله، انفجر الشارع، وصارت كلماته الأخيرة: «لا أستطيع التنفس» شعار الاحتجاجات. الغضب عارم: مواطنون من كل الأعراق نزلوا إلى الشارع، لقد رأوا العنصرية بأبشع صورها أمامهم، خصوصاً أن الحادثتين لخصتا معاناة المواطنين السود، في يوم واحد. يضاف إلى ذلك تسجيل نحو 40 مليون مواطن أنهم أصبحوا متعطلين عن العمل حديثاً بسبب وباء كورونا. تلك الأحداث مجتمعة خلقت المشهد الذي نراه اليوم. ولعل أفضل من وصف ما يجري هو البروفيسور كورنل وست، من جامعة برينستون، خلال مقابلة صادمة له على «سي أن أن»، قال فيها: «نشاهد فشل أميركا كتجربة اجتماعية، وما أقصده أن تاريخ السود في أميركا منذ أكثر من 200 عام يشهد على فشل النظام الرأسمالي الأميركي في إيصال قيمه التي يتغنى بها، مثل العدالة والحقوق وحرية الأفراد، إلى جميع مواطنيه بالتساوي».
وأضاف وست: «إن ثقافة هذه البلاد بات يحركها سوق المبيعات. كل شيء للبيع هنا، كل شخص كذلك. هذا لا يؤمن أي تغذية لهدف أو معنى لحياة أي شخص هنا. هذا فشل للإمبراطورية الأميركية وعلى المستويات كافة. لقد حذرنا مارتن لوثر كينغ، كأنه يقول لنا اليوم: لقد حدثتكم عن العسكرتاريا، وعن الفقر والأفكار المادية والعنصرية بكل صورها». وأكمل: «يبدو أن النظام غير قادر على تصحيح نفسه، لقد جربنا وجوهاً سوداء في مراكز القرار العليا في هذه البلاد، ماذا فعل الحزب الديموقراطي؟ لقد ولدت حركة حياة السود مهمة تحت كنف رئيس دولة ومدعٍ عام ورئيس للأمن الداخلي وكلهم من البشرة السوداء. كلهم لم يستطيعوا جعل النظام يقدم الإصلاحات التي يحتاج إليها مجتمع السود والأعراق الأخرى. اليوم لدينا فاشي جديد يجلس في البيت الأبيض، يرى المتظاهرين لصوصاً، في حين يبجّل ظهور جماعات مؤيدة له بالسلاح».
أما الإعلام الأميركي، فينقسم اليوم في مقاربته الأزمة، إذ تعتمد شبكة «فوكس نيوز» المقرّبة من الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري السرد الذي يحاول تمريره أوبراين، أي إنها مجرد مشكلة لدى بعض العناصر من الشرطة العنصريين ويمكن التخلص منها عبر إصلاحات. غير أن ترامب ذهب بالأمر بعيداً وإلى حدودٍ خطيرة، عندما قال خلال تغريدة على «تويتر»: «عندما تبدأ أعمال النهب، يبدأ إطلاق الرصاص». هذه الجملة بالتحديد تعود إلى 1967، وهي صادرة عن قائد شرطة ميامي والتر هيدلي، المعروف بكرهه السود، وقد جلبت غضب الصحف وجماعات حقوق الإنسان حينذاك ضده. أما الإعلام المقرّب من الحزب الديموقراطي، مثل «سي أن أن»، فيحاول توجيه الانتفاضة الحالية إلى انتفاضة في وجه الرئيس، تبدو خجولة أمام عمليات النهب أمام الكاميرات في بعض الأحيان.
في النتيجة، ما يجري اليوم هو انفجار لعجز المواطنين السود عن تحمّل نظام قائم على التمييز العرقي وكاره لـ«الغريب» عنه. المجتمع هو أفراد يجمعهم عقد اجتماعي، يتفق الجميع فيه على ما لهم من حقوق وواجبات، غير أن رؤية فئة معيّنة من المجتمع، أن هذا العقد الذي وافقت عليه لا يؤتي ثماره إلا على الفئة الأخرى، سيدفع بهؤلاء حتماً إلى الخروج منه. قال جورج كارلين ذات يوم، وهو من أشهر مؤدّي الكوميديا السوداء على المسرح، «إنه يدعى الحُلم الأميركي، لأن عليك أن تكون نائماً لتصدّقه».