أنهت الولايات المتحدة العمل بالاستثناءات التي كانت تسمح بمواصلة العمل على مشاريع مرتبطة بالبرنامج النووي المدني الإيراني، في خطوة أخيرة لفكّ الارتباط الأميركي بالاتفاق الدولي الذي تمّ عام 2015.

كثرت التحليلات بعد هذه الخطوة التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والذي أكد أنها أخذت وقتًا أكثر من اللازم. كما كثرت التوقعات عن الخطوات الإيرانية المقبلة، وخصوصاً العلاقات المفتوحة مع الأوروبيين، واقتراب موعد رفع حظر التسلح عنها.
يتعامل الإيرانيون أن لا أثر لهذا القرار على بلادهم، وهو ما صرّح عنه المتحدث باسم المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية بهروز كمالوندي، لكن على أرض الواقع قد تندرج تحت هذا القرار عدة مواضيع حساسة قد تلعب دوراً مهماً في تحديد مصير الكباش المستمر.
بدايةً، فإن هذا القرار يشمل معمل آراك للأبحاث (شمال غرب البلاد) الذي يعمل بالماء الثقيل، ويصدر مادة الـ «بلوتونيوم»، التي تستخدم نظرياً في صنع القنابل النووية. مع العلم أن طهران تؤكد أن المفاعل لا يستخدم إلا لأغراض البحث والتطوير، وإنتاج النظائر الطبية والصناعية.
معمل آراك واحد من أكبر المنشآت النووية في إيران، وكان أيام المفاوضات الماراتونية بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ووزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري، أبرز معضلة تأجّل البحث فيها أياماً وشهوراً لأهميتها.
الخوف الأميركي الفعلي كان من أن يتضمن المفاعل مشروعاً عسكرياً، ولذلك عمل على هندسته، حسب الاتفاق النووي، الإيرانيون بإشراف الولايات المتحدة والصين لكي يطمئنوا أن لا نية لبناء وصنع أي عمل يفيد العسكرة والسلاح.
أدّى الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي بعد وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، إلى تفعيل بعض النقاط المتفق عليها أن تحصل. ولهذا فإن القرار الأميركي الجديد، إذا ما عُمل به سيعيد معامل آراك إلى سابق عهده. وهذا ما أكدته طهران التي أعلنت استعدادها لإعادة المنشأة إلى ما كانت سابقاً أو استكمال تصميمها الجديد بالاتّكاء على القدرات المحلية فقط، إذا ما أدت العقوبات الأميركية إلى عرقلة التعاون النووي بين إيران ومجموعة 4+1.
لن تقتصر أمور المباشرة بالقرار الأميركي عند هذا الحد، بل ستلحقه إلى مفاعل طهران الذي تنصّ الاتفاقية النووية فيه على السماح لإيران بإنتاج يورانيوم منخفض التخصيب، والذي لا يزيد تركيزه على 3 أو 4% من نظائر «يو-235»، والتي يمكن استخدامها في إنتاج وقود صالح للمفاعلات النووية.
كانت إيران تنتج قبل الاتفاق النووي يورانيوم مخصباً بنسبة 20%، وتوقفت عن ذلك بعده، لتستقر على اتفاق تزويدها به من الخارج.
الذهاب بالقرار الأميركي يعني عودة طهران إلى خيار تخصيب اليورانيوم بالنسبة القديمة. والعودة إلى هذا الخيار يعني عملياً تمزيق الاتفاق النووي وهو ما قاله مرشد الثورة في إيران السيد علي خامنئي عندما هدّد ترامب بالتخلي عنه.
لكن التمزيق قد يقود الأميركيين إلى الضغط على الأوروبيين لإيقاف الآلية الأوروبية للتبادل المالي مع إيران من جهة، ومن جهة أخرى الضغط على موسكو وبكين ولندن من أجل إيقاف التعاون بشأن مفاعل آراك.
هذا القرار تسعى له الولايات المتحدة لكسب المعركة ضد الإيرانيين ودفع الأوروبيين لمساعدتها في تفعيل آلية فضّ النزاع، والذي بدوره قد يساعد بقوة في منع طهران من كسب فرصة رفع حظر التسلح في تشرين الأول المقبل.
الإيرانيون لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وأقله سيقاتلون للحظة الأخيرة، وربما كعادتهم، سيؤجلون خطواتهم النووية إلى ما بعد دخول رفع حظر التسلح حيّز التنفيذ.