ذهب الرئيس الأفغاني أشرف غني، أبعد ممّا توقّعه، ربّما، هو شخصياً. بات مستعدّاً لفعل كل ما أمكن لتعطيل اتفاق واشنطن - «طالبان»، خشية أن تشاركه الأخيرة، ما اعتقَد أنه إرث الاحتلال الدائم له وحده. يفضّل غني أن يحكم على أطلال بلد ممزّق ومدمّر، وأن لا تقوم لأفغانستان قائمة، وأن يفتك بها الاحتلال لـ 20 سنة أخرى، شرط ألّا يبرح مكانه. منذ توقيع اتفاق الدوحة يوم الـ 29 من شباط / فبراير، أبدى الرئيس الأفغاني رغبة شديدة في إفشال أي عملية للسلام محتملة، عبر وضع عقبة تلو الأخرى؛ وما بدا جلياً، أن حاكم كابول لا يريد مفاوضات داخلية قد تؤدّي، في حال تخطّت بروتوكولات السلام والصور، إلى تداول السلطة مع أعدائه، أو أن يصبح أعداؤه، في أقلّ تقدير، جزءاً منها. بيّن ذلك بوضوح يومَ رفض الشرط الموضوعي لهذه المفاوضات، والقاضي بتبادل الأسرى بينه وبين الحركة. شرطٌ استند إلى «الاتفاق التاريخي»، الذي يبدو أنه سيظلّ مجرّد ورقة، ما دام الطرف الآخر يقاوم التغيير، ويرفض تحويل «الورقة» إلى خريطة طريق، مبدئيّة، تحرِّر أفغانستان من الاحتلال، رغم تمسّك إدارة دونالد ترامب باتّفاق عَدَّته بمثابة ورقتها الرابحة الوحيدة في السياسة الخارجية.

استغلّ غني، بشكل صريح، هجومين مروّعين وقعا أول من أمس، وأسفرا عن عشرات الضحايا. سارع إلى اتهام «طالبان» بالوقوف وراءهما، معلناً، رسمياً، انتهاء «الهدنة»، واستئناف الهجمات. الهجوم الأوّل وقع حين اقتحم مسلّحون صباح الثلاثاء مستشفى «بارشي» في كابول، فيما كان الأهالي برفقة أطفالهم، وبعضهم مِن حديثي الولادة لمواعيد مع الأطباء. لساعات طويلة، حاصر مسلّحون المستشفى المدعوم مِن منظمة «أطباء بلا حدود» الدوليّة، وقتلوا 24 شخصاً، من بينهم رضّع وطواقم طبّية، عبر تنفيذ سلسلة تفجيرات وإمطار المرفق الصحّي بالرصاص، قبل أن ترديهم قوات الأمن، وعددهم ثلاثة، وفق الرواية الرسمية. بعد نحو ساعة من الهجوم على كابول، قَتل انتحاري 32 شخصاً في جنازة قائد شرطة محلي في ولاية ننغرهار في شرق البلاد، بعدما فجّر نفسه وسط الجنازة، موقعاً، بحسب مشيّعين، مئات الجرجى.

حضّ بومبيو الحكومة الأفغانية و«طالبان» على ضمان نجاح عملية السلام


توجّه الرئيس الأفغاني بخطاب متلفز إلى الشعب، ليعلن أن حركة «طالبان» وتنظيم «داعش» مسؤولان عن الهجومين. تحميل المسؤولية للحركة، أتبعه غني مباشرة بأمر للقوات الأفغانية يقضي بالعودة إلى «الوضعية الهجومية واستئناف عملياتها ضدّ العدو». وقال في خطابه: «شهدنا هجمات إرهابية نفّذتها مجموعتا طالبان وداعش على مستشفى في كابول وجنازة في ننغرهار، وكذلك هجمات أخرى في البلاد»، قبل أن يأمر قواته بوضع حد لقرار «التزام الوضعية الدفاعية». تزامن قرار الانتقام بمفعول رجعي، مع إعلان التنظيم مسؤوليته عن تفجير ننغرهار، لكنّه لم يتبنّ الهجوم على مستشفى «بارشي» الذي يقع في غرب كابول، حيث يعيش أفراد أقلّية الهزارة الشيعية، التي تتعرّض باستمرار لهجمات «داعش». ونفت «طالبان» أي علاقة لها بالهجمات التي وقعت الثلاثاء، محذّرةً من أنها «مستعدّة بالكامل» لصدّ أي ضربات من القوات الأفغانية. وقالت في بيان فجر يوم أمس: «من الآن وصاعداً، تقع مسؤولية تصعيد أعمال العنف بشكل إضافي وتداعياته على عاتق إدارة كابول». ورداً على الردّ، قال غني، على لسان الناطق باسمه صديق صديقي، إن هذه المجموعة لطالما دأبت «على العنف والحرب... لا يمكن طالبان أن تنفي ضلوعها في العنف بهذه البساطة، بما يشمل الأعمال الأخيرة».
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعلن أنه أخذ علماً بنفي «طالبان» مسؤوليتها عن الهجمات، وحضّ الحكومة الأفغانية والحركة على ضمان نجاح عملية السلام، إذ جاء في بيانه: «طالبان والحكومة الأفغانية يجب أن تتعاونا من أجل سوق المرتكبين إلى العدالة». وكذلك الأمر بالنسبة إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، الذي حثّ الطرفين على العمل في اتجاه تحقيق السلام. وكتب في تغريدة على «تويتر»: «الفشل في القيام بذلك سيترك أفغانستان عرضة للإرهاب وعدم الاستقرار الدائم والصعوبات الاقتصادية». وشبّه الخبير في معهد «أميركان إنتربرايز»، مايكل روبن، عملية السلام في أفغانستان بمريض في حالة غيبوبة سريرية «لا يرغب أحد في فصل الأجهزة التي تبقيه حياً، ويأمل الجميع أن يرى رمشة من عينيه»، لكنّه رأى أن ما من خيار أمام غني سوى العودة إلى ساحات المعارك.