تأخّرت روسيا، كغيرها مِن دول أوروبا، في الإفادة مِن تجارب دولٍ سبقتها إلى مكافحة الوباء. منذ نهاية آذار/ مارس، طُبِّقت إجراءات عزلٍ على أكثر من 100 مليون روسيّ يعيشون في 51 منطقة من أصل 85. كما الحدود، أُغلقت المطاعم والمقاهي في أنحاد البلاد كافة، فيما ظلّت متاجر المواد الغذائية والصيدليات مفتوحة. وقتها، دعا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سكّان موسكو حيث يعيش أكثر مِن 12 مليون نسمة، إلى أن يأخذوا الإجراءات الجديدة «على محملّ الجدّ، وبحسّ كامل من المسؤولية». وللتأكُّد من احترام السكّان إجراءات التباعد الاجتماعي، اعتمد الدوما الروسي، في وقتِ مبكر، رزمة مشاريع قوانين تتضمّن فرض عقوبات مشدّدة على من يخالفون «القواعد الصحيّة»، تراوحت بين دفع غرامات مالية طائلة لِمَن يخرق الحظر المفروض مِن دون إذن، وقد تصل إلى السجن 7 سنوات لكلّ مَن ينتهك الحجر بشكلٍ يؤدّي إلى وفاة آخرين مِن جرّاء العدوى.

أحصت روسيا، على مدى الأيام الثلاثة الماضية، عدداً قياسيّاً تجاوز عتبة الـ10 آلاف إصابة جديدة يوميّاً، لترسّخ مكانتها بين الدول الأوروبيّة التي تسجّل أسرع وتيرة إصابات بالفيروس. تجاوز العدد الكلّي للإصابات المُسجّلة 155 ألفاً، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 1451 وفاة بعد تسجيل 95 وفاة جديدة. مع ذلك، تبقى نسبة الوفيات البالغة 0.96% بالنسبة إلى عدد الإصابات، محدودة للغاية مقارنة بدولٍ مثل إيطاليا وإسبانيا، أو الولايات المتحدة. وتعزو روسيا تأخُّرها في اتخاذ تدابير لمكافحة الوباء وتراجع معدّل الوفيات، إلى أن الانتشار لديها بدأ بعد كثير من البلدان الأخرى، ما منح السلطات المزيد مِن الوقت للاستعداد. كما تقول إن الإغلاق السريع للحدود، ومتابعة انتشار العدوى، وإجراء أربعة ملايين ونصف مليون فحص (31 ألفاً/ مليون، بالمقارنة مع 23 ألفاً/ مليون في الولايات المتحدة مثلاً)، لغاية الآن، حال دون تفاقم الأزمة الصحية في البلد.
وتعتبر موسكو بؤرة الوباء في روسيا مع حوالى نصف الحالات المسجلة؛ إذ صرح رئيس بلديتها، سيرغي سوبيانين، نقلاً عن نتائج فحوص يوم السبت الماضي، بأن 2% من سكان العاصمة، أي أكثر من 250 ألف شخص مصابون بالمرض. وقال سوبيانين إن المدينة عزّزت إلى حد كبير قدرتها على إجراء فحوص للسكان في الأسابيع الأخيرة، موضحاً أنها «نجحت في احتواء انتشار المرض بفضل تشديد قواعد العزل وإجراءات أخرى». إلا أنه أكّد أن الوباء لم يبلغ ذروته في موسكو، قائلاً إن «التهديد يواصل تقدمه».
ورغم الوتيرة المتسارعة، تستعد روسيا، اعتباراً من الأسبوع المقبل، عندما تنتهي من عطلات الاحتفال بعيد العمال والذكرى الـ 75 للانتصار في الحرب العالمية الثانية في التاسع من الشهر الجاري، لرفع تدريجي لتدابير الإغلاق، مع الإقرار بأن الوضع لا يزال «صعباً». وفي انتظار أن يعلن بوتين، اليوم، خطّة بلاده للعودة تدريجياً إلى الحياة الطبيعية، تسعى روسيا إلى إعادة الحياة لاقتصاد أنهكه التدهور المستمر في أسعار النفط، قبل توقف عجلة الأنشطة الاقتصادية على خلفية تفشي «كورونا». الرئيس الروسي، لفت، في وقت سابق، إلى أن البلاد تنتظر أزمة اقتصادية أكبر من تلك التي شهدها العالم خلال الأزمة المالية العالمية 2008. على المسار نفسه، توقّع صندوق النقد الدولي، في تقرير صدر منتصف نيسان/ أبريل، أن ينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 5.5%.
وكما هي الحال في دول أخرى، أصاب فيروس «كورونا» ثاني رجل في الدولة. فرئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين أعلن الخميس الماضي أنه أصيب بالفيروس. والجمعة، قال وزير البناء الروسي، فلاديمير ياكوشيف، إنه مصاب أيضاً بـ«كوفيد-19». من جانب آخر، أعلن رئيس وكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس»، ديمتري روغوزين، في بيان، وفاة يفغيني ميركين (64 عاماً) كبير المصمّمين في «إينرجيا»، أكبر منتج للمركبات الفضائية في روسيا، بسبب إصابته. وقال: «لقد حاول أفضل الأطباء إنقاذ حياته في الأسابيع القليلة الماضية».