في تشرين الأول/ أكتوبر 2009، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن تغيير اسم قوّته الجوية، ليصبح «القوة الجوفضائية»، الأمر الذي شكّل تأريخاً لولوج القوات العسكرية الأبرز في الجمهورية الإسلامية لعالم الفضاء. لكن هذه القوة المستحدثة لم تقدّم خلال العشر سنوات الأولى من عمرها أي إنجاز فضائي، سواء في ما يتعلّق بالأقمار الصناعية أو الصواريخ الحاملة لتلك الأقمار، كما أنها لم تُفصح عن أي مساهمة لها في البرامج الفضائية المدنية التي كانت تقوم بها مؤسّسة الفضاء التي تتبع للحكومة الإيرانية، وتعمل بمساعدة وزارة الدفاع. غياب الحرس الثوري الإيراني عن عالم الفضاء خلال العقد الأوّل من عمر قوّته الجوفضائية لم يكن بالضرورة دلالة على إغفاله لهذا الجانب، وهذا ما تبيّن فجر الأربعاء الماضي، عندما أعلن عن إنجاز غير منتظر تمثّل في نجاحه بإطلاق أوّل قمر صناعي عسكري إلى الفضاء يحمل اسم «نور 1»، مشيراً في بيانه الأوّلي إلى أن هذا الأخير وصل بنجاح عبر صاروخ «قاصد» الباليستي إلى مداره الذي يرتفع عن سطح الأرض بمقدار 430 كلم.

وبذلك، سجّلت القوات الجوفضائية التابعة لـ«الحرس»، في مطلع العقد الثاني من عمرها، حضوراً عسكرياً أولياً في عالم الفضاء، مؤكدة على لسان مسؤول الشؤون الفضائية فيها العميد علي جعفر آبادي أن المستقبل «سيشهد صناعتها لأقمار صناعية أكبر تستقرّ في مدارات أبعد عن سطح الأرض». كما أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، دعا في تعليقه على هذا الإنجاز إلى «انتظار المفاجآت الجديدة في الطريق».
الحضور العسكري الأوّل لإيران في عالم الفضاء، وإن جاء بعد 15 عاماً من أول حضور مدني، إلا أنه أُنجز بأيدٍ إيرانية خالصة في جميع المراحل، من تصميم القمر إلى تصنيع الصاروخ الحامل، وصولاً إلى عملية الإطلاق والوضع في المدار، وذلك بخلاف المرّة الأولى التي صعدت فيها طهران إلى الفضاء، حين لم تكن بدورة إطلاق إيرانية كاملة، إذ صنعت شركة روسية بطلب من وزارة الأبحاث والتكنولوجيا الإيرانية القمر الصناعي «سينا»، لأغراض الاتصالات، ثم إطلاقه على متن مكوك فضائي روسي يُدعى «كوزموس» من محطة «بليسيتسك كوزمودروم».
ما سبق من اعتماد على المساعدة الخارجية في مسارها نحو الفضاء لم يدم طويلاً، ففي عام 2008 تمكّنت إيران بنفسها، عبر صاروخ «سفير آميد»، من إرسال القمر الصناعي الإيراني «آميد» إلى الفضاء في مهمّة اختبارية، حيث دار القمر البالغ وزنه 27 كلغ، حول الأرض 15 مرّة في اليوم الواحد. وفي عام 2011، نجح الصاروخ الإيراني «سفير 1 - بي» في إيصال القمر الصناعي «رصد» ذو الـ 15.3 كلغ لمهمّته الاختبارية فوق سطح الأرض بـ 260 كلم، وتميّز القمر المذكور بأنه أوّل قمر صناعي إيراني قادر على توفير الطاقة الكهربائية الخاصّة به من أشعة الشمس عن طريق الخلايا الشمسية المرتبطة بهيكله فيقوم بتخزينها في بطاريات مخصّصة لهذا الغرض. وفي العام ذاته، وعبر نفس الصاروخ المذكور، استطاعت إيران وضع القمر الصناعي «نويد» في مداره ما بين 250 إلى 370 كلم فوق الأرض، لكن في هذه المرّة أسندت لهذا القمر الذي يزن 50 كلغ مهمّة التقاط الصور، ولا سيما في ظل تصميمه بقدرة تمكّنه من التقاط صور لسطح الأرض بدقّة فائقة يعادل وضوحها الصور الملتقطة على مسافة 750 متراً، فضلاً عن احتوائه على خلايا شمسية توفّر له بعض طاقته الكهربائية. أمّا النجاح الفضائي التالي لإيران آنذاك فتمثّل في تمكن «سفير 1 - بي» مرّة أخرى، في 2014، من إيصال القمر الصناعي «فجر» إلى مدار يتراوح ارتفاعه بين 250 إلى 450 كلم فوق سطح الأرض، ليلتقط الأخير ذو الـ 60 كلغ صوراً للأرض بدقّة أفضل من القمر السابق له.

لم ترصد أنظمة المراقبة الدولية المسلّطة على إيران أي تحضيرات مسبقة


الجدير ذكره أن صعود إيران نحو الفضاء في السنوات المذكورة تزامن مع توتّر في الأجواء بين إيران والأطراف الدولية على خلفية الملف النووي. بيد أن الفترة اللاحقة الممتدة من 2015 إلى منتصف 2017، والتي شهدت هدوءاً ملموساً في الأجواء بين الأطراف بعد توقيع الاتفاق صيف 2015، لم تشهد أي نشاط إيراني على الصعيد الفضائي. وعلى وقع التهديد المتكرّر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ توليه الحكم مطلع 2017، بالانسحاب من الاتفاق النووي، أعلنت إيران أواخر تموز/ يوليو 2017، عن إجراء تجربة ناجحة لصاروخ «سيمرغ» القادر، وفق ما أفاد به التلفزيون الرسمي الإيراني في حينه، على «وضع أقمار صناعية تبلغ زنتها 250 كلغ على ارتفاع 500 كلم». كذلك، حاولت طهران بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق في أيار/ مايو 2018، إرسال ثلاثة أقمار صناعية مدنية إلى الفضاء، هي: «بيام» في 15 كانون الثاني/ يناير 2019، و«دوستي» في 6 شباط/ فبراير 2019، و«ظفر» في 9 شباط / فبراير 2020، حيث فشلت المحاولة الأولى والأخيرة، فيما أُعلن عن نجاح «دوستي»، الذي كانت مهمّته تُركّز على الجانب الزراعي، في الوصول إلى مداره المحدّد، المرتفع عن سطح الأرض 250 كلم.
المحاولات والتجارب الفضائية بعد الاتفاق النووي استجلبت تنديداً غربياً، لا يقل عن التنديد الذي عبّرت عنه تلك الدول في تعليقها على خطوة «الحرس» الأخيرة، مستندة في موقفها السابق والحالي الى البند الثالث في بيان قرار مجلس الأمن 2231، الذي ضُمّن فيه الاتفاق المذكور، حيث يقول البند المشار إليه: «والمطلوب من إيران ألا تقوم بأي نشاط يتصل بالقذائف التسيارية المعدّة لتكون قادرة على إيصال الأسلحة النووية، بما في ذلك عمليات الإطلاق باستخدام تكنولوجيا من هذا القبيل للقذائف التسيارية، حتى تمام ثماني سنوات من يوم اعتماد خطة العمل، أو حتى التاريخ الذي تقدم فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريراً يؤكد الاستنتاج العام، أيهما يكون أقرب». طهران، من جانبها، لا تزال تؤكد أن هذه الصواريخ ليست من النوع المعد لحمل رؤوس نووية، كما أنها اعتبرت أخيراً، وفق الناطق باسم الخارجية عباس موسوي، أن «الاستناد الأميركي على قرار مجلس الأمن 2231 ليس في محله».
التنديد الغربي بدخول إيران العسكري عالم الفضاء لم يكن مردّه، وفق مراقبين، القدرة المعلوماتية التي سيمتلكها الحرس الثوري بعد اليوم في منطقة توجد فيها إسرائيل والقواعد الأميركية فحسب، وإنما يعود أيضاً إلى القفزة التي وصل إليها برنامج طهران للصواريخ الباليستية. إذ أصبحت الأخيرة، بعد اجتياز صاروخ «قاصد» الباليستي للمجال الجوي، تمتلك تقنية الصواريخ الباليستية العابرة للقارّات، ما يرفع منسوب القلق الأوروبي. يُضاف إلى ما سبق أن وصول إيران بنفسها إلى الفضاء يُهدّد تفوّق إسرائيل في المنطقة، ولا سيما أن هذه الأخيرة استخدمت العام الماضي قاعدة «كيب كانفرال»، في ولاية فلوريدا الأميركية من أجل إيصال قمرها الصناعي الأخير «عاموس 17»، إلى الفضاء.
كذلك، يُشار إلى أن أنظمة المراقبة الدولية المسلّطة على إيران لم ترصد أي تحضيرات مسبقة لهذه الخطوة، كما جرت العادة مع عمليات إطلاق الأقمار الصناعية المدنية التي كانت تتنبأ تلك الأنظمة بقرب إطلاقها، وهذا قد يعود وفق محلّلين إلى إجراءات التكتّم التي أوضح قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري العميد أمير علي حاجي زادة أنها «تغلّف نشاط قوات الحرس في المجال الفضائي». كما أن الصاروخ الذي حمل القمر أُطلق من قاعدة متحرّكة في صحراء كوير وسط البلاد، ما سهّل عملية التخفي والتمويه، وذلك بخلاف «محطّة الإمام الخميني الفضائية» الثابتة التي تستخدمها وزارة الدفاع في عمليات إطلاق صواريخ الأقمار المدنية. ولا يستبعد محلّلون أن يكون «الحرس» قد استخدم إجراءات تعمية لمنع تلك الأنظمة من مراقبة نشاطه في منطقة الإطلاق.