يبرر خبراء وباحثون إسرائيليون في مجالَي الصحة والاقتصاد موقفهم الداعي إلى الخروج التدريجي من إغلاق المرافق الاقتصادية، والعودة إلى سير الحياة العادية، بأن سبب العدوى بفيروس كورونا «بقي مستقراً»، ولذلك يمكن التفكير في «استراتيجية خروج»، وخاصة أنه «لم يعد بالإمكان التعامل مع إسرائيل كلها ككتلة واحدة... يمكن فرض إغلاق على مناطق معينة». يأتي ذلك في أعقاب إعلان خطة اقتصادية تبنّتها الحكومة وعرضها وزير المال الإسرائيلي، موشيه كحلون، تستند إلى توزيع مساعدات بقيمة 80 مليار شيكل (أكثر من 22 مليار دولار أميركي): 40.7 مليار شيكل لقطاع الأعمال، 11 ملياراً للجهاز الصحي والتعامل مع «كورونا»، 20.6 مليار مساعدات للأسر، 7.7 مليارات لتسريع عجلة الاقتصاد.

بموجب الخطة، سيحصل المستقلون وأصحاب المصالح الصغيرة على منحتين شهريتين تصل قيمة الأولى (آذار/ مارس) إلى 6000 شيكل، وقد تصل التالية إلى 8000، كما سيحصل أصحاب المصالح التجارية المتضررة على تخفيضات كبيرة على ضرائب المسقّفات للمصالح التجارية المتضررة، وكذلك إعفاؤهم من الدفع من آذار/ مارس حتى أيار/ مايو. إضافة إلى ذلك ستقدم وزارة المال تسعة مليارات شيكل عبر تأجيل الدفوعات المفروضة على المصالح التجارية، وتأجيل الدفوعات المقدمة إلى الشركات الحكومية الصغيرة والمتوسطة. ويتواصل النقاش بين خبراء الصحة، والاقتصاد، علماً بأن الخطة صاغتها وزارة المال، و«المجلس الوطني للاقتصاد»، و«بنك إسرائيل»، بالاستناد إلى المعادلة التي حددها محافظ البنك، البروفسور أمير يارون، وهي أنه «من دون صحة لا يوجد اقتصاد، لكن دون اقتصاد لن تكون هناك صحة». وقال يارون: «عمق الضرر على الاقتصاد سيتقرر وفقاً لطبيعة السياسة الاقتصادية».
مع ذلك، وفق بيانات «بنك إسرائيل» وتقديراته، ستؤثر هذه الأزمة في النمو وستزيد البطالة كثيراً، فيما يلاحظ على هذا التوصيف أنه يتسم بالعمومية وبقدر من التلطيف. ويعود هذا إلى أن سيناريوات المستقبل مفتوحة على الاحتمالات المتفاوتة في درجة خطورتها كافة، وخاصة أن إسرائيل تواجه الأزمة من موقع قوة نسبية، على المستوى الاقتصادي، حتى الآن. وكان تقرير البنك عن 2019 (قبل «كورونا») قد قال إن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 3.5% على غرار معدل النمو المسجل في العامين السابقين، موضحاً أن النمو السريع الإجمالي للصادرات انعكس على العام الماضي، وكذلك في توسيع الفائض في الحساب الجاري لميزان المدفوعات. كما استقر سوق العمل عند مستوى التشغيل الكامل تقريباً في 2019، وبذلك وصل معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ عقود. أيضاً بلغ العجز الحكومي العام الماضي 3.7% من الناتج الإجمالي، أي أنه تجاوز سقف العجز من الناتج وكذلك العجز في 2018 بنحو 0.8%. وبالتزامن، انخفضت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بنقطة مئوية واحدة بعدما بلغت 59.9% من الناتج الإجمالي.

هذا الرهان قائم على أزمة قصيرة، لكن امتدادها لشهور يعني نتائج مغايرة


رغم الأرقام السابقة، من الواضح أن تداعيات «كورونا» تتوالى بوتيرة متسارعة في إسرائيل والساحة العالمية التي تؤثر مباشرة في مستوى النمو الإسرائيلي، ما يعني أن أرقام هذه السنة ستكون مختلفة كثيراً عن الماضية. في هذا الإطار، كانت «المالية» قد حذّرت من أن الإغلاق التام سيرفع تكلفة الأزمة الحالية إلى 140 مليار شيكل (نحو 39 مليار دولار)، علماً بأن الموازنة العامة في 2019 بلغت 479,6 مليار شيكل (نحو 133 مليار دولار)، بمعدل خسارة 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي وقت سابق، ذكرت «مصلحة التشغيل الإسرائيلية» أن نسبة البطالة ارتفعت إلى 22.7%، إذ بلغ إجمالي المتعطلين عن العمل 944,832 طالب عمل. وبخصوص ارتفاع نسبة العجز إلى 7%، كما قدر «بنك إسرائيل»، قلَّل المحافظ، يارون، من خطورة ذلك، قائلاً: «هذا حدث مؤقت، ويمكن العودة إلى المسار الطبيعي في العام المقبل، لأن المنظومة البنكية صامدة ومستقرة»، مضيفاً: «تخصيص الموارد أمر مطلوب راهناً حتّى لو كان على حساب زيادة العجز. هذا ما تفعله الحكومات في جميع أنحاء العالم على نطاق واسع، وهذا هو الوقت المناسب لفعله هنا أيضاً». يذكر أن البنك ضخ سيولة تقدّر بمليارات الشواكل لخفض أسعار الفائدة للشركات والأسر، كما تدخّل في سوق العملات الأجنبية للتخفيف من التقلّبات الشديدة في سعر الصرف.
يبدو من هذه الأرقام أن خسائر الاقتصاد الإسرائيلي ستكون كبيرة، لكنها قابلة للاحتواء استناداً إلى ما يتمتع به من «عناصر قوة»، لكن نقطة الارتكاز في كل ما يتعلق بالتقديرات حول نتائج هذه الخطة تتصل فقط بالقريب المدى، وهو ما أقر به يارون عندما قال إن الخطة «تقلِّل من غياب اليقين بشأن المستقبل القريب. يحتاج الاقتصاد الآن، وبخاصّة قطاع الأعمال، إلى أقصى قدر من اليقين الاقتصادي الذي يمكن أن توفّره الحكومة». وكما في الولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم، يرتهن العامل الأساسي الذي سيُحدِّد حجم الخسائر ومفاعيلها على الواقع الاقتصادي والاستراتيجي بعوامل متغيرة تتصل بنجاح الإجراءات في الحد من انتشار «كورونا»، وفي الوقت نفسه القدرة على الحفاظ على نشاط اقتصادي جيد، وبالتأكيد المدى الزمني الذي ستستغرقه الأزمة إلى حين إيجاد حل جذري لها، في حين أن الخشية لدى المسؤولين والخبراء هي من تآكل صمود الاقتصاد الإسرائيلي في حال استمرار الأزمة لأشهر.