مع نفاد المهلة لتشكيل حكومة الطوارئ، أو حكومة الوحدة الإسرائيلية، تصاعدت ثقة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بنفسه، إذ يبدو أنه راح أبعد من التأقلم مع القلق على مصيره، عارفاً كيف يخرج مزهوّاً بنصره في كل مرّة يفشل فيها خصومه في استدراجه إلى «حبل المشنقة». آخر انتصاراته كانت تفكك تحالف «أزرق أبيض» المنافس لـ«الليكود». في البداية، توهّم الخصوم أن إسقاط نتنياهو سينجح بورقة لم تكن لتنفع حين راهنوا على دعم «القائمة المشتركة». الأخيرة كان ينقص زلاتها أن يتخلي زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، عن مبادئه الصهيونية ومعاداته للعرب، وهو ما لم يفعله... ولن يفعله. في النتيجة، وجد من كان زعيماً لـ«أزرق أبيض»، الجنرال بيني غانتس، أن الخيارات ضاقت عليه، فهرول إلى رئاسة الكنيست، والعزاء الوحيد له هو التوصل إلى اتفاق على تناوب رئاسة الحكومة مع نتنياهو.

بهذا المسار الوعر، أوصل نتنياهو غانتس إلى مكان لا يستطيع العودة منه. ومن هنا راح ومعسكره يرفعون سقف المطالب التي لن يكون لغانتس على الأرجح مفرّ من الخضوع لها. آخر المستجدات أن «الليكود» وضع أمس مزيداً من العصي في دواليب المفاوضات لتشكيل الحكومة تتعلق ببند القضاء، إذ طالب بحصول كتلته على عضوين في لجنة القضاء المؤلّفة من تسعة أعضاء، من ضمنهم أربعة سياسيين. ليس هذا كل شيء، بل طالب «الليكود» بإرساء طريقة جديدة لتعيين القضاة، جاعلاً «الديمقراطية» ــ الكذبة التي سادت إسرائيل ــ أضحوكة. صحيفة «هآرتس» فسّرت السبب وراء هذا الإلحاح بأنه «محاولة لإحباط احتمال تعيين المدعي العام السابق، شاي نيتسان، قاضياً في المحكمة العليا»، لأن الأخير عمل على تقديم لوائح اتهام بمخالفات الفساد الخطيرة المشتبه في أن نتنياهو ارتكبها.

لا يريد غانتس أن تطير من يده ورقة التكليف بتشكيل الحكومة


لذلك، يهدف «الليكود» من تعديل طريقة تعيين القضاة، التي لا تزال عقدة، إلى أن تصبح للحزبيين قاعدة بمقدورها التأثير في التعيينات، وأيضاً صلاحيات وزير القضاء، وتعيين المدعي العام الجديد، والمدير العام لـ«القضاء». إلى الآن، توصل الجانبان إلى تفاهمات تقضي بتعيين آفي نيسانكورين، النائب عن «أزرق أبيض»، وزيراً للقضاء. وإلى أن تنتهي المفاوضات باتفاق على طريقة ما، ينصّ القانون على أن تشكيلة لجنة تعيين القضاة تتكوّن من وزير للقضاء، ووزير آخر تختاره الحكومة، وعضوي كنيست واحد من الائتلاف والآخر من المعارضة، وعضوين من نقابة المحامين، ورئيس المحكمة العليا، وقاضيين آخرين في «العليا». أمّا تعيين قاضٍ، فيجب أن يتم بموافقة غالبية سبعة أعضاء من اللجنة. ونقلت «هآرتس» عن مصادر يمينية أن «الليكود يريد عرقلة تعيين نيتسان قاضياً في العليا بسبب الموقف المتشدّد الذي اتخذه... من التحقيقات ضد نتنياهو، وانتهت بتقديم لائحة اتهام خطيرة»، وذلك مرده إلى «ترجيحات داخل الليكود بأن قضاة العليا في اللجنة سيرشحون نيتسان لولاية قاضِِ».
بجانب هذه النقطة الخلافية، برزت قضية ضمّ الضفة المحتلة، وغور الأردن، إلى إسرائيل وفرض سيادة الأخيرة عليها، وهو ما يصر عليه اليمين، بقيادة نتنياهو، بل أطلق نوّاب حزبه تصريحات لابتزاز غانتس كي يوافق. وبدأ الحملة النائب عن «الليكود» يوآف كيش الذي هدّد عبر إذاعة «أمواج إسرائيل»، بالقول: «لن أدعم سنّ قانون التناوب على رئاسة الحكومة بين نتنياهو وغانتس في حال وجدنا أنفسنا عالقين عند موضوع السيادة». أمّا وزير المواصلات، بتسلئيل سموتريتش، فغرّد على «توتير» داعياً كتلة اليمين إلى «إعلان أنها لن تصدّق على التناوب من دون تعهد بسنّ قانون السيادة بكامله... ممنوع إهدار الفرص التاريخية للرئيس (الأميركي، دونالد) ترامب»، في إشارة إلى «صفقة القرن».
إذاً، تفرض هذه المستجدّات نفسها على جدول تشكيل الحكومة، المحاصر كلما اقترب الثالث عشر من الشهر الجاري، وهو ما دفع غانتس إلى إبلاغ الرئيس رؤوفين ريفلين أنه قد يضطر إلى أن يطلب تمديداً للمهلة الممنوحة له لتشكيل الحكومة بعد انتهاء عيد «الفصح» اليهودي. وبما أن لريفلين حريّة مطلقة في تمديد المهلة، وعد بأنه «سيدرس الأمر مع الأخذ في الاعتبار الظروف التي ستعرض أمامه لدى انتهاء المدة». ومع أنه قد يوافق، ذلك لا يعني إلا الحرص المتواصل من «أزرق أبيض» المفكّك على الاحتفاظ بالمهمة (تشكيل الحكومة) بيده، قبل أن تنتقل إلى نتنياهو ويسيطر «الليكود» بذلك على اللجنة المنظّمة للكنيست، ما يجعل إمكانية تمرير القوانين ضد نتنياهو ــ الورقة التي يلوّح بها «أزرق أبيض» في المفاوضات الحالية ــ أمراً مستحيلاً.