إيران، سوريا، كوريا الشمالية، كوبا، فنزويلا، روسيا، والصين، دولٌ «تُهمتها» أنّها «خرجت من جلباب الولايات المتحدة»، ولم تنصَع لأوامرها، بل وقفت في وجهها، كُل واحدة على طريقتها. ولأنّها اتخذت هذا الخيار، كانت لها العقوبات سيفاً مُصلتاً عليها. اشتد الأمر منذ تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية أواخر عام 2016. حُزم من العقوبات نالتها الدول والأنظمة «المتمردة»، وحتّى الاتحاد الأوروبي لم يسلم من ترامب.

«الدولة النووية» الأولى في العالم (واشنطن)، «عاقبت» إيران لأنّها أرادت تحصين نفسها عسكريّاً. العقوبات أدّت إلى تردّي الأوضاع الاقتصادية في الجمهورية الإسلامية، وتجويع الإيرانيين، كما حصل سابقاً في كوريا الشمالية.
والصين التي تُنتج سلعاً متنوعة وتبيعها لدول العالم بثمن رخيصٍ، وباتت منافسة «تكنولوجية»، نالت نصيبها أيضاً من الحرب الاقتصادية للولايات المتحدة. انتقلت إدارة ترامب لـ«تخنق» كوبا وفنزويلا اقتصادياً بعد أن رفضتا «الغطرسة الأميركية» داخل بلادهما، ولأنّ نظامهما الاشتراكي، والمبادئ التي تمسّكا بها برفض إعادة بلديهما «حديقة خلفية» للولايات المتحدة، شكّلا عائقاً أمام الأخيرة لاستباحة الموارد الطبيعية في البلدين، والسيطرة على كلّ قطاعاتهما. في الشرق الأوسط، كانت سوريا «الخيار» الأميركي لفرض الحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وحتّى النفطي، لدفعها إلى الاستسلام، وتغيير النظام فيها، أو في أحسن الأحوال تحويله إلى «أداة» بيدها.

الوباء «حليف» واشنطن
اليوم، مع انتشار فيروس «كورونا» في أنحاء العالم، يبدو أن واشنطن وجدت فيه «حليفاً» جديداً، تضغط فيه على تلك الأنظمة لتُجبرها على تقديم التنازلات في ظروفٍ استثنائية وصعبة على كلّ المستويات. وهي لا تتركهم سوى أمام خيارين: إما الانصياع للأوامر الأميركية، وإما موت الشعوب. خياران لا ثالث لهما. فمنذ أربعة أشهر، فاقم الفيروس أزمة البلدان التي حكم عليها الأميركيون بـ«الموت البطيء»، فبدت مواجهة الوباء وحماية شعوبها، أمرين صعبين بفعل الحصار الاقتصادي والتضييق التجاري عليها. وفي حين ارتفعت الأصوات والدعوات الموجهة إلى واشنطن لتعليق العقوبات على الدول التي تعاني من تبعات الفيروس، بدت الأخيرة غير آبهة، بل حتّى عمدت إلى اقتناص فرصة الجائحة لتُشدّد حصارها على إيران، وفنزويلا بقيادة الرئيس نيكولاس مادورو، حين قدّمت هدية بقيمة 55 مليار دولار لمن يأتيها بمعلومة عنه وعن مقرّبين منه، في وقتٍ تحتاج فيه دول مثل فنزويلا إلى أقل من هذا الرقم لمحاربة تفشّي الفيروس على أراضيها، قبل أن يعمد ترامب إلى إرسال سفن عسكرية إلى بحر الكاريبي لـ«مكافحة تهريب المخدرات».

قال تشومسكي إنّ إحدى أكبر المفارقات في «كورونا» هي مساعدة كوبا للبلدان الأوروبية


العقوبات الأميركية الأخيرة حرّكت جهود دول ومنظمات دولية، كانت تتفرّج لسنوات على «بطش» واشنطن ببقية الشعوب والأنظمة. فشهدت أروقة مجلس الأمن الدولي جهوداً من أجل رفع العقوبات، أو تعليقها، في ظل انتشار «كورونا»، من بينها كانت مطالبة روسيا والصين، إلى جانب دول أخرى، برفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن سوريا، في رسالة أُرسلت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وقّع عليها ممثلون عن الصين وروسيا وفنزويلا وسوريا وكوبا وكوريا الشمالية، فطالبوا بـ«الرفع الكامل لتدابير الضغط الاقتصادي الانفرادية» وعدم تسييس محاربة «كورونا». وناشد ممثلو الدول الموقّعة غوتيريش طلب الرفع الكامل والفوري للإجراءات التي وصفوها بـ«غير القانونية والقمعية والتعسفية للضغط الاقتصادي». ردّ غوتيريش بطلب تعليق العقوبات، لكن بقي طلبه من دون جدوى. وفي خطوة أخرى، دعت مقررة الأمم المتحدة للحق في الغذاء، هلال إلفر، إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على دول مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وسوريا، لضمان وصول الإمدادات الغذائية للسكان الجائعين في زمن «كورونا». وقالت في بيان إنّ «استمرار فرض عقوبات اقتصادية على هذه الدول يقوّض بشكل كبير الحق الأساسي للمواطنين العاديين في الحصول على غذاء كاف وملائم». إلّا أنّ كلّ هذه النداءات لم تُجدِ نفعاً، لأنّ العقوبات لم يفرضها مجلس الأمن لكي يقوم برفعها، بل أتت من جانب الولايات المتحدة، بغطاء دولي، وهي وحدها من يملك «قرار» تخفيضها، ولا سيّما ما يتعلق بالقطاعات الصحية لمحاربة هذا الوباء.
وقد أشارت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية في مقال إلى أنّ أبرز نواب الحزب الديمقراطي في الكونغرس - من بينهم المرشح الرئاسي السيناتور بيرني ساندرز، وألكسندريا أوكاسيو كورتير- «حثّوا إدارة ترامب على تخفيف العقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا ودول أخرى تضرّرت كثيراً من كورونا»، وشدّدوا على حاجة هذه الدول إلى توفير الإمدادات الطبية والدعم الإنساني، من بينها التعليق المؤقت للعقوبات على القطاع المصرفي وعلى النفط، التي فُرضت منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني.

«واشنطن لا تسمع»
خلافاً لما تدّعيه، لا تهدف العقوبات الأميركية إلى «مكافحة الإرهاب»، أو حصول تقدّم في بلد ما، أو إنقاذ البشرية. منذ عقود، تحاول واشنطن البقاء «سيّدة العالم»، وتُسيطر على الغذاء والتكنولوجيا والسلاح والنفط والموارد الطبيعية، من دون إحراز أي تقدّم في الدول الفقيرة، ثمّ تأتي لتقول لهم «أنا أنقذتكم». في علم السياسة، عندما تريد أن تُحقّق أهدافاً تتبع جملة من الأساليب، أهمّها الضغط على الخصم لانتزاع المزيد من التنازلات، وهذا ما تمّ اتباعه من قبل الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، استغرب مراقبون عديدون تصرفات واشنطن في ظل تفشي «كورونا»، فنقلت وكالة «فرانس برس» عن الأستاذ في جامعة «نورث إيسترن ماكس أبراهامز» أنّه حتى الدول «التي لا نُحبّها تعيش على الكوكب ذاته مثلنا. علينا أن نعمل معها لمعالجة المشكلات المشتركة. ليس من مصلحة الأمن القومي الأميركي أن ينتشر فيروس كورونا»، فيما اعتبر المفكر والكاتب الأميركي نعوم تشومسكي، أحد أبرز نُقّاد «الليبرالية المتوحشة» والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، أنّه «إذا تركنا مصائرنا ليُقرّرها مُهرجون عدائيون، فسننتهي». وتابع بالقول إنّ «أحد أقسى جوانب كورونا وأكثرها ترويعاً هو استخدام واشنطن العقوبات للتسبّب في أكبر قدر من الألم، وبوعي تام للآثار المُترتبة عليها»، لافتاً إلى أنّ إيران «لديها مشاكل داخلية كبيرة، ولكن يجري خنقها من خلال تشديد العقوبات، التي كما يُقال علناً إنّه تم تصميمها، وبوعي كامل، من أجل دفع الناس إلى المعاناة بمرارة الآن». أما في ما يخص كوبا، فأكد تشومسكي أنّ «إحدى أكبر المفارقات في أزمة كورونا هي مساعدة كوبا للبلدان الأوروبية. الأمر صادم إلى حدّ أنه لا يوصف. ألمانيا لا تستطيع أن تساعد اليونان، ولكن كوبا يمكنها أن تساعد البلدان الأوروبية. إذا توقفت وفكرت في ما يظهره هذا عن حضارتنا، فإن الكلمات تعجز عن التعبير».
في المحصلة، واشنطن لم تسمع كلّ هذه النداءات والمُطالبات والانتقادات. كل تصريحات مسؤوليها حول هذا الموضوع ليست سوى إشارات إلى أنّ «النهج الأميركي مستمر في خنق الشعوب»، وأنّها لن تفوّت «فرصة كورونا» لمحاولة انتزاع التنازلات من الدول المُعادية. «في توجيه أي أموال قد تحصل عليها أنظمة، لا يمكن الثقة بأنّها ستُحوّلها بعد تخفيف العقوبات إلى نشاط إنساني محتمل، وأنّ النخبة لن تسرقها أو توجهها لنشاط خبيث»، هذا ما نقلته وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي لم تكشف عن اسمه. الولايات المتحدة هي نفسها، في كل زمان، حتى ولو كانت «نهاية العالم».