أوفت السعودية بتعهّدها إغراق السوق بالنفط؛ حُمِّلت ناقلاتها العملاقة بشحنات أولى مِن الخام، لتُبحر في طريقها إلى أوروبا والولايات المتحدة، آذنة بانطلاق حرب النفط الفعلية، بعدما تحرّرت دول «أوبك+» (تحالف بين «منظمة الدول المصدرة للنفط»، ومنتجين مستقلّين بقيادة روسيا)، اعتباراً من اليوم، من اتفاق خفض الإنتاج المعمول به منذ بداية 2017. انهيار الاتفاق ومعه التحالف بداية الشهر الماضي جاء مدفوعاً برفض روسيا اقتطاعات ضخمة في إنتاج النفط للحدّ من هبوط الأسعار المتأثرة بتداعيات الوباء، ما أدّى إلى اندلاع حرب أسعار على خلفية قرار السعودية خفض أسعار البيع الرسمية توازياً مع رفع الإنتاج، وتالياً انهيار خامَي «برنت» و«غرب تكساس الوسيط».

وفق بيانات تتبُّع السفن، حمّلت المملكة عدداً من ناقلات النفط العملاقة التي استأجرتها شركة الناقلات الوطنية السعودية، الشهر الماضي، لتعزيز قدرتها على زيادة الصادرات. كذلك، استغلّت الرياض الأسابيع القليلة الماضية، لنقل كمّيات كبيرة من نفطها إلى صهاريخ تخزين قرب قناة السويس، نقطة الانطلاق إلى السوق الأوروبية. ويبدو أن المملكة تكثّف إنتاجها للوصول إلى هدفها المتمثّل في 12.3 مليون برميل يومياً ارتفاعاً من حوالى 9.7 ملايين في شباط/فبراير الماضي، برغم الضغوط الأميركية. الانزعاج الأميركي عبّر عنه بداية، وزير الخارجية مايك بومبيو، الأسبوع الماضي، حين طلب من وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، «طمأنة أسواق الطاقة والمال» المنهارة، أي إنهاء حرب الأسعار بلغة دبلوماسية. لكن الرئيس دونالد ترامب كان أوضح من وزيره، معرباً عن قلقه من حرب «تضرّ» بقطاع الطاقة الأميركي: «لا نريد قطاعاً صناعياً ميتاً»، و«لم أتوقّع قطّ أن أقول إننا نحتاج ربّما إلى زيادة (أسعار) النفط، لكننا نحتاج إلى ذلك فعلاً»، لأن روسيا والسعودية «أصيبتا بالجنون». وعليه، قرّر الرئيس الأميركي أن الوقت حان ليدخل على خط المواجهة، في مسعى للجم الاندفاعة السعودية. واتفق، في اتصال مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على أن الوضع الحالي في أسواق النفط العالمية لا يناسب أيّاً من البلدين.

بدأت قدرات الدول على تخزين النفط تنفد ما سيضطرها إلى إغلاق أنابيبها


الاتصال المُخصّص للنفط والوباء، وفق بيان الطرفين، لا يزال ملتبساً في جوانبه، خصوصاً لجهة مطالب موسكو. وغالب الظنّ أن الأخيرة ستدفع، كما عبّر بوتين سابقاً، في اتّجاه رفع العقوبات المفروضة عليها، ولا سيما المتعلقة بقطاع النفط، مقابل اتفاق لخفض الإنتاج، تكون الولايات المتحدة جزءاً منه لإعادة الاستقرار إلى سوق الطاقة. وانعكست المكالمة إيجاباً على السوق، إذ تعافى النفط أمس بعدما اتفق ترامب وبوتين على إجراء محادثات على مستوى وزيري الطاقة لتحقيق الاستقرار. وارتفع خام «تكساس الوسيط» بنسبة 7.3% ليسجل 21.5 دولاراً للبرميل، بينما سجّل «برنت»، المرجعي الدولي، ارتفاعاً نسبته 3.3% ليبلغ 23.5 دولاراً. وبين العرض الوفير وركود الطلب، يمكن أن يصل فائض النفط العالمي إلى 21.8 مليون برميل يومياً في الشهر الجاري، و19.5 مليون برميل في الشهر المقبل، و13.7 مليوناً في حزيران/يونيو، وفق مصرف «ستاندرد تشارترد» الذي توقّع انخفاضاً في الطلب على النفط هذا الشهر بمقدار 18.5 مليون برميل يومياً، مقارنة مع 10.5 ملايين في توقعات سابقة.
وعلى رغم تفشّي الوباء الذي يشلّ الاقتصاد العالمي ويضعف الطلب على النفط، يستمر إنتاج الخام، ولا سيما في السعودية والولايات المتحدة، بمستويات قياسية. وفي ظل التخمة النفطية، يبدو أن قدرات الدول على التخزين بدأت تنفد، ما سيضطرّها إلى إغلاق أنابيبها نتيجة الفائض (حوالى 20 مليون برميل). في هذا الإطار، يرى الخبير في مؤسسة «أكسي كور» للخدمات المالية، ستيفن إينيس، أن أسعار النفط مهدّدة بمزيد من الانخفاض مع امتلاء سعة التخزين بشكل كامل، وتأخّر الدول المعنية بإيجاد حلول. ويقول: «كلّما تأخّر ردّها، زاد خطر انخفاض جديد في الأسعار». ووفق أوليفييه جاكوب من شركة «بتروماتريكس»، «كنا نعلم أن زيادة الإنتاج من أعضاء أوبك ستضغط على مخزونات النفط الخام... لكن هذه الظاهرة تسارعت بصورة واضحة الأسبوع الماضي مع انهيار الطلب». ونتيجة لذلك، يقول محلّلو «كبلر» إن المخزونات الحالية من النفط الخام على الأرض وفي السفن «تجاوزت الذروة السابقة التي وصلت إليها في أوائل 2017، وهذه المخزونات تواصل الارتفاع».
وبعدما قرّرت زيادة صادراتها النفطية بـ600 ألف برميل يومياً في أيار/مايو لتصل إلى 10,6 ملايين (تصدّر السعودية نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما يعني أنها ستضخّ 3.6 ملايين إضافية في أسواق النفط)، فإن العلامة التالية لاستمرار حرب أسعار النفط ستأتي في الخامس من الشهر الجاري، حين تصدر «أرامكو» أسعار البيع الرسمية لأيار/مايو المقبل.