من المؤكد أن استمرار انتشار الفيروس شكل عامل ضغط إضافياً على المؤسسة الإسرائيلية، وسيتواصل هذا المسار تصاعدياً كلما تمدد انتشاره وتفاقمت في إثره أزمة الاقتصاد. ويجمل رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، اللواء عاموس يادلين، الوضع بأن «الدولة في أزمة صحية واقتصادية واجتماعية لا سابق لها في خطورتها. من الصعب جداً إدارة الأزمة بحكومة انتقالية مع تلوث المسارات والقرارات باعتبارات سياسية (داخلية)، ومع غياب موازنة تسمح بتوفير رد مُحدَّث على التحديات». مع ذلك، يمكن التقدير بأن الضغط الإضافي ينبع أيضاً من أن المدى الزمني لأزمة «كورونا» غير واضح، وفي النتيجة تداعياتها الاقتصادية مفتوحة على أكثر من سيناريو تتفاوت درجة الخطورة لكل واحد منها. هذا المشهد المركّب يدفع المؤسسات والقيادات السياسية، من موقع الإكراه، إلى اتخاذ إجراءات مُشدَّدة على قاعدة الاستعداد للأسوأ، وإلى تبنّي خيارات على قاعدة البديل الممكن والأقل ضرراً.

في ضوء ذلك، لم يكن مفاجئاً الاختراق السياسي الذي مهد لاتفاق ينهي الأزمة الحكومية المفتوحة، كما أن الطرفين، بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، استنفدا رهاناتهما الانتخابية والقضائية والسياسية. فمن جهة، أخفقت محاولات نتنياهو لنيل غالبية 61 عضو كنيست خلال ثلاث عمليات انتخابية، كي يشكل حكومة يمينية تضمن له الحصانة دون محاكمته. ومن جهة أخرى، فشل خصومه في رهاناتهم على القضاء لإطاحته، وعلى موقف الجمهور اليميني لإسقاطه نتيجة اتهامه بالفساد. بعدما اتضح للجميع حجم الاستقطاب المتجذر في الجمهور، يبدو أن مؤيدي التراجع عن بعض الثوابت المتصلة بترؤس نتنياهو، المتهم بالفساد، للحكومة المقبلة، استندوا، أو تذرعوا، بأن الاستمرار في مسار التعطيل سيؤدي بالضرورة إلى انتخابات رابعة دون رهانات على تحولات جدية في موازين القوى النيابية تؤدي إلى إطاحته، وأنه طوال التعطيل المتواصل سيبقى رئيساً للحكومة الانتقالية.

سيتناوب نتنياهو وغانتس 18 شهراً لكل واحد على أن يبدأها الأول


هكذا، بات محسوماً أن أمام نتنياهو خيارين اثنين: التوصل إلى اتفاق يكرس ترؤسه الحكومة، أو الدفع نحو انتخابات متكررة دون أفق. السبب أنه بعد فشله في انتزاع الحصانة من الكنيست تبقى الطريقة الوحيدة لتحصين نفسه من المحاكمة محاولة توفير غطاء نيابي لحكومة تتبنى إنقاذه بسن قوانين مُحدَّدة. وبذلك، نجح نتنياهو في استدراج غانتس إلى صفقة شاملة، عبر بوابة انتخاب الأخير رئيساً للكنيست، لينجح أيضاً في تفكيك التحالف المنافس له: «أزرق أبيض». وفي الطريق إلى اتفاق شامل حول الحكومة المقبلة، ذكرت تقارير إعلامية أن نتنياهو وغانتس توصلا خلال لقاء بينهما إلى تفاهمات يتم بموجبها التناوب على رئاسة الحكومة، على أن يكون نتنياهو أولاً لمدة 18 شهراً، يليه غانتس 18 شهراً أيضاً. ومن بين القضايا التي أثيرت خلال اللقاء أن يوافق الأخير غانتس على سنّ قانون يسمح لنتنياهو بتولّي منصب قائم بأعمال رئيس الحكومة خلال ولاية الأول.
التقارير ذكرت أيضاً أن الحكومة قد تضم ثلاثين وزيراً، وقد يسعى «الليكود» إلى جعلهم 34، نصفهم من حزب غانتس، «مناعة لإسرائيل»، الذي قد يتولى حقائب الأمن والقضاء والاتصالات والثقافة، مع المحافظة على حقيبة الصحة لكتلة «يهدوت هتوراة» الحريدية، على أن غانتس غير معني بوزارة الخارجية. وفي الوقت الذي يمكن أن تتغير فيه خريطة الحقائب مع استمرار المفاوضات، تم الاتفاق على انتخاب رئيس للكنيست يتفق عليه الجانبان، وأن يكون من «الليكود» (بعد غانتس)، على ألا يعود رئيسه السابق، يولي ادلشتاين، إلى المنصب، بسبب رفض غانتس لذلك على خلفية رفض ادلشتاين تنفيذ قرار «المحكمة العليا».
على مسار آخر يتعلق بإجراءات كبح «كورونا»، طالب مسؤولون في «المالية» بأن تستمر نشاطات 20% من المرافق الاقتصادية على الأقل دون إخضاعها للقيود. وحذَّر هؤلاء من أن تقديرات الوزارة تفيد بأن تعطيلاً كاملاً للمرافق الاقتصادية 12 أسبوعاً سينجم عنه ضرر بنسبة 17.7% من الإنتاج، لكن تعطيلاً جزئياً، كما الحال حالياً، ستكون نسبة ضرره 8.7%، وخاصة أنه كلما اشتد الإغلاق أكثر، سترتفع الخسائر. وذهبت هذه الجهات إلى التحذير من أنه في حال إغلاق شامل وطويل، ستكون نسبة العجز في الموازنة العامة 15.5% من الناتج، ما يعني أن ميزانيات الحكومة في السنوات بعد الأزمة ستتراجع كثيراً مع رفع نسبة الضريبة بصورة كبيرة.