تكشف الأزمات الكثير عن الأنظمة والحكّام، بعد أن تضعهم أمام لحظة الاختبار. فيروس «كورونا»، أصبح في هذه المرحلة، «المسؤول» عن كشف زيف العديد من الأنظمة، ولا سيّما تلك «النيوليبرالية». المفارقة الأولى التي كشفتها أزمة «كورونا»، أنّ الدول المحاصرة، أظهرت أداءً أكثر إنسانية من البلدان التي تبجّحت لسنوات بخطاب نشر الديمقراطية والتدخلات «الإنسانية» - العسكرية والاقتصادية في الدول الأخرى. الصين وكوبا (المحاصرة منذ ستة عقود، وتُنزل بها الولايات المتحدة أقسى أنواع العقوبات) تمدّان اليوم يد العون إلى دول عديدة، الأبرز فيها إيطاليا، فأرسلتا أطناناً من المساعدات الطبية اللازمة، وبعثات طبية.

ومثلهما فعلت روسيا، التي حطّت طائراتها العسكرية في مطارات إيطاليا حاملةً المساعدات.
المفارقة الثانية، أنّه في وقتٍ ينتشر الوباء في العالم أسرع من النار في الهشيم حاصداً آلاف الأرواح، تُظهر الصين - الدولة التي انتشر منها - «مسؤوليةً إنسانية» تجاه بقية الدول. في حين أنّ الأميركيين يتعاطون مع الموضوع بعنصرية وأنانية، بدايةً من تغذية خطاب الكراهية تجاه الصينيين، إن كان عبر القنوات السياسية والدبلوماسية أو حتى عبر الصحافة الأميركية التي وجّهت سهاماً «عُنصرية» تجاه الصين، وصولاً إلى تخلّي الإدارة الأميركية عن الحلفاء الأوروبيين، لا سيما إيطاليا المنكوبة.
«ليس عنصرياً بالمطلق بل لأنه آتٍ من الصين، هذا هو السبب، فأنا أريد أن أكون دقيقاً». هذا كان تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ردّاً على اتّهامه بالعنصرية لناحية تسمية «كورونا» بـ«الفيروس الصيني». يُصرّ ترامب، وعدد آخر من «الجمهوريين»، على استخدام هذا التعبير العنصري لوصف الفيروس، وهو كرّره حتى بعد تلقّيه انتقادات هائلة حين استخدمه في المرات الأولى. فهذا الموضوع يندرج في إطار التنافس بين البلدَين، وقد وجد فيه ترامب «فرصة مناسبة» لمحاولة تظهير الصين مسؤولةً عن خراب العالم. ولكنّ الرئيس الأميركي، المُتلهي بمحاولة استفزاز بكين، يقوم بذلك رغم أنّ بلاده أصبحت مُصنّفة الثالثة عالمياً في ترتيب الدول التي تُسجّل أعلى أرقام الإصابات بـ«كورونا»، متخطّية إيران وإسبانيا، لتسجل أكثر من 75 ألف إصابة حتى اليوم. فضلاً عن أنّ «أكبر قوى العالم الاقتصادية» لديها مليون سرير فقط في المستشفيات، أي بمعدّل 2.8 سرير لكلّ ألف شخص، وهو أدنى بكثير من معدلات الدول الأخرى التي تضررت بشدة من الوباء (4.3 سرير في الصين و3.2 سرير في إيطاليا). أما بالنسبة إلى الأسّرة الموجودة في العناية المركزة، فهناك أقل من 100 ألف، وغالبيتها غير شاغرة، وفقاً لجمعية المستشفيات الأميركية. كذلك، يتكشّف يوماً بعد الآخر التضعضع داخل الولايات المتحدة، فتارة يتحدّث ترامب عن تركيبة دواء للفيروس مصنّعة وطنياً ستكون بمثابة «مسحة رسول». وطوراً، «يُمنّن» شعبه بأنه يخسر مليارات الدولارات بسبب تركيزه على الأزمة بدلاً من متابعة الأعمال الخاصة به.
«رُهاب الصين» الحالي، ليس أول أشكال العنصرية ضدّ أبناء «العرق الأصفر». فمنذ القرن الثامن عشر، أظهر الأميركيون عنصريتهم تجاه الصينيين مع توقيع الرئيس الأميركي، تشيستر ألان آرثر (حكم البلاد بين عامَي 1881 و1885)، ما يُعرف بـ «قانون الاستبعاد الصيني». بموجب هذا القانون، تمّ حظر هجرة العمال الصينيين إلى الولايات المتحدة مدّة عشر سنوات، في خطوة هدفت إلى نيل رضا العمّال الأميركيين، وتهدئة المخاوف السائدة بينهم بشأن الحفاظ على «نقاء العنصر الأبيض». سنة 2018، كرّر ترامب ذلك مع القيود التي وضعها على هجرة الطلاب والعلماء الصينيين. اليوم، وفي خضم معركة العالم ضدّ «كورونا»، تتوق واشنطن إلى تحويل بكين إلى «كبش فداء»، وواحد من أهداف ترامب إبعاد تركيز المزاج العام الأميركي، عن انتقاد فشل الإدارة الأميركية بالتعامل مع الوباء.

تُصرّ واشنطن على تحويل الفيروس إلى اشتباك سياسي مع الصين


لكن لا يبدو أنّه نجح بذلك. فصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، نشرت يوم الجمعة الماضي مقالاً ورد فيه أنّ «تصرّف ترامب بتغيير اسم فيروس كورونا إلى فيروس صيني، هو من أجل نقل انتباه الجماهير لإخفاء فشله الكارثي في أعمال مواجهة وباء فيروس كورونا الجديد»، مُضيفةً أنّ «الأميركيين لا يعترفون بالجهود المزعومة لترامب. وتباطؤ تدخّل الحكومة تجاه الوباء، يُعرّضها لانتقادات صارمة ومستمرة». على الرغم من ذلك، «ترامب لم يواجه فشله ولم يُصحّح خطأه، بل استمر في سياسة نشر مشاعر الإرهاب». ولفتت الصحيفة إلى أنّه تحت قيادة الرئيس، استخدم برلمانيو الحزب الجمهوري والمتطرفون والمسؤولون كلمة ترامب حول الفيروس، مُتجنّبين جميع التقديرات والمناقشات حول إجراءات مواجهة الرئيس للوباء»، في إشارة إلى تصريحات السيناتور الجمهوري، جون كورنين المُعادية للأجانب، حين قال إنّ «الصين هي المسؤولة عن ثقافة أكل الناس للخفافيش والثعابين والكلاب وأشياء من هذا القبيل».
كذلك، ذكرت تقارير أنّ البيت الأبيض أطلق خطّة اتصالات عبر وكالات اتحادية مُتعددة تتّهم الصين بـ«محاولة التستر عن معلومات وخلق جائحة عالمية»، وهي أحدث محاولة لواشنطن في تحويل الانتباه المحلي من فشل عملها الاحترازي، وذلك وفقاً لما نشره موقع «ديلي بيست» الأميركي، في 21 مارس/ آذار الجاري، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وبرقية حكومية اطلع عليها. تُرجع البرقية الصادرة عن مجلس الأمن القومي والمرسلة إلى المسؤولين، سبب تفشّي الجائحة إلى «فشل بكين في إبلاغ شعبها والعالم بالتهديد»، واصفةً الولايات المتحدة وشعبها بـ«أعظم العاملين في المجال الإنساني الذين عرفهم العالم على الإطلاق».
وأشار «ديلي بيست» إلى أنّ المداولات الداخلية بمثابة توجيه جديد، للتأكيد على «أخطاء الصين» في موضوع «كورونا»، وذلك نقلاً عن مسؤولَين أميركيين عامِلَين على «استجابة الإدارة لتفشي كورونا»، فقالا إنّ البيت الأبيض «يضغط على الوكالات الفيدرالية للالتزام بشكل وثيق بنقاط الحديث الصادرة عن مجلس الأمن القومي، خاصة عندما يُقدّم كبار المسؤولين خطابات علنية، لضمان الاستمرارية مع الرئيس ترامب». كما نقل الموقع عن أحد المسؤولين قوله إنّ «نقاط الحديث هذه هي كل ما يتحدث عنه أي شخص في الوقت الحالي... كل شيء يتعلق بالصين. يُطلب منّا نشر هذه الرسائل بأي طريقة ممكنة، بما في ذلك المؤتمرات الصحافية والمقابلات التلفزيونية». واتهمت البرقية الصين أيضا بـ«شنّ حملة دعائية» من أجل «تحويل مسؤولية الجائحة العالمية إلى الولايات المتحدة»، مُثنيةً على استجابة واشنطن للجائحة العالمية باعتبارها «إنسانية استثنائية». البرقية الصادرة عن مجلس الأمن القومي، تُفيد أنّ «الولايات المتحدة مستعدة لتقديم المزيد من المساعدة للصين، إذا سمح لنا الحزب الشيوعي الصيني بذلك»، واعدةً بأن تُقدّم واشنطن ما يصل إلى 100 مليون دولار للصين والدول الأخرى المتضررة، من أجل مكافحة الفيروس سريع الانتشار. «الوعود» تعود إلى 7 فبراير/ شباط الماضي، وبعد أكثر من شهر لا تزال الحكومة الصينية لم تتلقَّ الدعم المالي المذكور، وفقاً لما ورد من بكين.
كلّ ما تقدّم يشير إلى نقطتين، أولاً أنّ الولايات المتحدة برئاسة ترامب، لا تتصرّف «كقوّة عظمى» مسؤولة وقادرة على مساعدة العالم على تخطّي الوباء القاتل، وثانياً أنّ محاولات ترامب في تسييس الأمر، والاستفادة منه في سياق حملته الانتخابية، لم تُظهر بعد نجاحها. على العكس، انتشار أكبر للفيروس في الولايات الأميركية، سيعني صعوبات كبيرة أمامه لتولّي ولاية رئاسية جديدة.