لا حاجة إلى أن يكون المرء من أنصار نظرية المؤامرة، التي هي أداة من الأدوات التقليدية للسياسة، تماماً كالدبلوماسية والحرب، ليعتبر أن المسعى الأميركي لاستغلال أزمة فيروس كورونا ضدّ الصين، وبشكل خاص ضدّ رئيسها الحالي شي جين بينغ، يعطي مثالاً جديداً على تحكّم العقلية التآمرية بالسياسة الخارجية لواشنطن. راجت، لدى بداية تفشّي عدوى الفيروس، فرضيات، لم يثبت أيُّ أساس لها، عن أن «كورونا» هو نتاجٌ لمختبرات الجيش الأميركي، وأن حرباً بيولوجية تُشنّ ضدّ الصين بهدف زعزعة استقرارها. هذه الحرب البيولوجية، حتى الآن على الأقلّ، من نسج الخيال الخصب للبعض، لكن زعزعة استقرار الصين جزء من الاستراتيجية العامة المعتمدة من قِبَل إدارة ترامب لاحتواء صعود بكين المذهل وإضعافها. فمن رعاية الثورة الملوّنة في هونغ كونغ، إلى تأجيج قضية الإيغور واستغلالها، لا تتردّد الإدارة في محاولاتها توظيف أيّ مشكلات وتناقضات داخلية ضدّ السلطة المركزية في بكين. وهي رأت في تفشّي فيروس كورونا وما أثاره من هلع واسع على الصعيدين الصيني والعالمي فرصة لتسعير حربها الهجينة على الصين، والدعوة إلى إزاحة رئيسها الحالي، الذي جعل من التصدّي للهجمة الأميركية على بلاده أولويته الأولى منذ وصوله إلى السلطة عام 2013. واللافت هو اشتراك قطاع واسع من النخب الأميركية والغربية، بأجنحتها «الليبرالية» من جهة واليمينية شبه الفاشية من جهة أخرى، في الحملة على شي جين بينغ، ما يؤكد أن الخلافات الجدّية بين الخيارات السياسية التي تمثّلها هذه الأجنحة لم تَحُل دون وجود إجماع استراتيجي بينها ضدّ القوى غير الغربية الصاعدة.

من بين أبرز مَن انتهزوا مناسبة أزمة كورونا لإطلاق حممهم ضدّ الصين جورج سوروس، الملياردير الذي دعم وموّل العديد من الثورات الملوّنة في بلدان كصربيا وجورجيا وأوكرانيا وغيرها، والذي يتبادل الكراهية مع دونالد ترامب، وهو أمر تنبغي ملاحظته لأنه يُظهر الإجماع الاستراتيجي المذكور بين أوساط معتبرة من النخب الأميركية والغربية في مواجهة الصين ورئيسها تحديداً. يُركّز سوروس، في مقال نشره على موقع «بروجكت سينديكايت»، نيرانه على شي جين بينغ، ويحضّ الزعماء الأوروبيين الـ27، الذين سيجتمعون معه في إطار قمة «الصين - الاتحاد الأوروبي» المقرّر انعقادها في أيلول/ سبتمبر المقبل، على عدم منحه انتصاراً سياسياً يعزّز موقعه في الداخل الصيني، وعلى «تحميله مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص في التيبت والسين كيانغ وهونغ كونغ». ويضيف الملياردير، ذو الأصول المجرية، أن «القيادة الصينية وحدها تستطيع أن تقرّر مستقبل شي السياسي. الأضرار الناجمة عن سوء إدارته لتفشي فيروس كورونا باتت معروفة للقاصي والداني، لدرجة أن الجمهور الصيني، وحتى المكتب السياسي للحزب الشيوعي، ملزمان بالاعتراف بذلك. وعلى الاتحاد الأوروبي عدم تسهيل شروط بقائه السياسي». ويشيد العدو اللدود لترامب بسياسة الأخير حيال الصين، الحائزة على توافق الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي تُصنّف الجمهورية الصينية كخصم استراتيجي، وتضع عملاقها التكنولوجي «هواوي» وعدداً من شركاتها على لائحة الشركات التي يُمنع على مثيلاتها الأميركية التعامل معها من دون إذن حكومي مسبق. هو يكرّر، بعد ذلك، مجموعة الاتهامات الأميركية لـ«هواوي»، والخطر الذي تمثّله على المستويين الأمني والاستخباري، ويدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى التعاون، بمشاركة الولايات المتحدة إن كان ذلك ممكناً، لتطوير قدرات شركتَي «نوكيا» و«إريكسون» على منافستها. يلوم سوروس النخب الأوروبية السياسية والاقتصادية على عدم إدراكها بالقدر الكافي الخطر الذي تمثّله الصين، «بقيادة شي جين بينغ» كما يحرص أن يذكر، على القيم كافة التي تَأسّس الاتحاد الأوروبي على قاعدتها، ويؤاخذها على سعيها للتودّد إلى الرئيس الصيني بدل أن تجهد للحفاظ على الشراكة الأطلسية مع الولايات المتحدة. أولوية التركيز على الصراع مع الصين ومع رئيسها تدفع «الليبرالي المنفتح»، سوروس، إلى قلب الحقائق رأساً على عقب، وتجاهل إذلال ترامب لحلفائه الأوروبيين ليلاً ونهاراً، وتوصيتهم بالسير خلفه بلا شروط لتحقيق انتصار جديد ضدّ «النظم الشمولية».

من بين أبرز مَن انتهزوا مناسبة أزمة كورونا لإطلاق حممهم ضدّ الصين جورج سوروس


في السياق نفسه، الذي تختلط فيه الحملة على الرئيس الصيني بتفكير رغبوي حول إمكانية إزاحته، يقول روري ترويكس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، في «ذي آتلانتيك»، في مقال يحمل عنوانه مقارنة بين تداعيات كارثة تشيرنوبيل على النظام السوفياتي وتلك الناجمة عن تفشي فيروس كورونا على النظام الصيني، إن «أيّ تغيير في الصين سيتمّ بتدخّل من رأس الهرم. وعلى عكس اعتقاد شائع، شي جين بينغ لم يحصل على الحق بحكم الصين لمدى الحياة. هو يتمنى ذلك، لكنه مضطر، حسب قواعد الحزب الشيوعي المتعارف عليها، لتسليم السلطة لمرشح آخر سنة 2022. يعني هذا الأمر أن السنتين القادمتين ستشهدان صراعاً على السلطة داخل الحزب غير مرئي بالنسبة إلى من هم خارجه. قد ينتصر شي في هذا الصراع لكن الأمر ليس مضموناً». ويعود ترويكس إلى الماضي ليشرح المآل الذي يراه محتملاً، وفي الحقيقة الذي يتمنّاه، لأزمة كورونا، مستعيداً كيفية تعامل قيادة «الحزب الشيوعي الصيني» مع الرئيس ماو تسي تونغ بعد فشل «القفزة إلى الأمام»، الخطة الاقتصادية التي تَسبّبت وفقاً له بموت 45 مليون صيني من الجوع، والتي أبعدته مرحلياً عن إدارة الشؤون السياسية اليومية للبلاد. هو يعتبر أن عدد ضحايا فيروس كورونا والخطر الذي يمثله «ينبغي أن يحفّزا قادة في الحزب على تحدّي شي، ورفض نموذجه السلطوي والفردي للحكم». لاحظوا المقارنة الخرقاء بين العدد المفترض لضحايا «القفزة إلى الأمام» وضحايا فيروس كورونا! المطلوب هو الترويج لفكرة ضرورة إزاحة الرئيس الصيني الحالي مهما كانت صدقية الحجج المقدمة.
أما يوين يوين أنغ، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ميتشيغن وذات الأصول الصينية، فهي جزمت في مقال بعنوان «هل ستشهد الصين تغييراً سياسياً؟» بأنه «بات من الواضح أن السياسة ونمط الحكم في الصين لن يبقيا على ما كانا عليه بعد تفشّي فيروس كورونا. لقد دُمّرت أسطورة فضائل السيطرة المركزية التي طالما دافع عنها شي وأنصاره». من الطبيعي أن تناصب الإمبراطورية الأميركية، الرئيس الصيني والتيار الغالب داخل «الحزب الشيوعي الصيني»، العداء. فقرار التصدّي لسياسة الاستدارة نحو آسيا، والتي اعتُمدت منذ إدارة باراك أوباما وهي الاسم الحركي لاستراتيجية احتواء الصين وحصارها، اتخذه شي جين بينغ وتياره على الرغم من وجود تيارات أخرى داخل «الحزب الشيوعي» كانت ترى ضرورة تأجيل هذه المواجهة، وحتى تقديم التنازلات لواشنطن. وليس سرّاً أن أكثر من جيل من الصينيين درس في جامعات أميركية، وتَأثّر بنمط الحياة وبـ«النموذج الأميركي» منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأن قسماً منه عاد ليحتلّ مواقع في الدولة والحزب، ويشكّل كتلة «أميركية الهوى» داخل النظام تفضّل التفاهم مع الولايات المتحدة على المواجهة معها. لقد حَجّم شي جين بينغ هذا التيار، ليس لأسباب أيديولوجية فقط، بل لأن الدفاع عن الأمن القومي لبلاده يفرض اتّباع سياسة أكثر تشدّداً مع أميركا واحتلال أنصار مهادنتها مواقع صنع القرار. هذا السبب كافٍ ليكون الرئيس الصيني العدو الرئيس في نظر واشنطن، وليصبح العمل على تشويه سمعته وإضعافه ومساعدة من يسعى لإزاحته هدفاً أساسياً. المؤامرة وسيلة من وسائل السياسة كما أسلفنا، لكنها بالنسبة إلى واشنطن، خاصة عندما تتعامل مع دول وشعوب العالم غير الغربي الذي ما زالت تنظر إليه بعيون استعمارية، وسيلتها المفضّلة.