في حديثٍ للرئيس البوليفي المستقيل إيفو موراليس، قبل نحو شهر، ظهرت علامات «ندم» لعدم إنشاء بوليفيا «وحدات شعبية مسلّحة» تكون رديفة للجيش. يومها، قال موراليس لإذاعة «كاوساشوم كوكا» البوليفية إنّ «عدم امتلاك الحكومة البوليفية خطة بديلة لمواجهة المعارضة اليمينية كان خطأً قاتلاً... نحن الحركات الاشتراكية والحكومة كانت لدينا ثقة زائدة... في أي لحظة أعود بها إلى بوليفيا، يجب علينا تنظيم قوات شعبية مسلّحة كما فعلت فنزويلا».

كلام موراليس، «رجل الشعب» الذي استقال بفعل انقلابٍ أميركي نُظّم من السفارة الأميركية في لاباز، لم يخرج من فراغ. فالجيش البوليفي كان إحدى أهمّ الركائز التي اعتمدت عليها واشنطن في انقلابها. وعلى عكس ما حصل في فنزويلا، المؤسسة العسكرية البوليفية والشرطة كانت سهلة للاختراق والتأليب، فقد وقفت متفرجة على كلّ التجاوزات والعنف الذي مارسته المعارضة في لاباز بالاتفاق مع الإدارة الأميركية، لينتهي الأمر بإعلان موراليس استقالته لـ«حقن الدم»، كما صرّح، وبعد تهديده بالقتل.
أحد الدبلوماسيين الكوبيين أجاب عن سؤال «الأخبار» عمّا إذا كان يجب على موراليس أن يُنشئ قوات مسلّحة رديفة للجيش، لإحباط الانقلاب الذي تعرّض له، بأنّ «الوضع في لاباز يختلف عن بقية الدول التي أنشأت قوات شعبية مسلحة، إذ إنّ المعارضة في بوليفيا لها ثقلها». ويضيف أنّ موراليس «فكّر على مدى أربعة عشر عاماً في أن ينشئ هذه القوات، لكّنه في كل مرة كان يخاف من أن تُثار المشاكل الداخلية... كان يخشى أن يُفهم قراره على أنّه شكل من أشكال الحماية للبقاء في السلطة. إضافة إلى ذلك، موراليس كانت لديه ثقة عمياء بالجيش، ولم يكن يتوقّع هذه الخيانة».
«الخطأ» الذي أودى بموراليس إلى خارج السلطة، سبقه إليه رؤساء دول لاتينية أخرى، مثل الرئيس البرازيلي السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي تحول من رمز النجاح الاقتصادي في البلاد إلى متّهم محكوم عليه بالسجن، بفعل انقلابٍ ناعم أميركي على الديمقراطية البرازيلية، هدفه حماية مصالح النخبة الاقتصادية. كذلك الأمر بالنسبة إلى الرئيس التشيلي سلفادور أليندي، الذي رفض اتخاذ أي إجراء لحماية الدولة، كإنشاء وحدات شعبية، رغم أن واشنطن كانت مصمّمة على إسقاطه. وقد فعلتها من خلال اختراق الجيش التشيلي ودفعه إلى القيام بانقلاب عسكري على الرئيس، من ثم اقتحام القصر الرئاسي بأمر من الاستخبارات الأميركية، وتصفية أليندي.
في ضوء ما سبق، يظهر الدور الذي من الممكن أن تقوم به «القوات الشعبية» من حماية للنظام وإقصاء للمنقلبين، كما حدث في فنزويلا، إذ كانت «الوحدات الشعبية البوليفارية»، المعروفة بـ«قوات الدفاع الشعبي»، العنصر الأساس في إفشال الانقلابات التي خطّطت لها الإدارة الأميركية على مدى عقود. فبعد أول محاولة انقلاب عسكرية في 23 يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن مادورو زيادة 50 ألف وحدة شعبية للتكامل الدفاعي (UPDI) في جميع الأحياء والبلدات والمدن والقرى الصغيرة، كمكمّلة للعمل الدفاعي الشامل.
يتضح أنّ الدول والجماعات المتصدية لواشنطن تحتاج إلى جيوش شعبية، إلى جانب جيوشها الوطنية، لصدّ محاولات الهيمنة والاحتلال وزعزعة الاستقرار. تبلورت الفكرة وأضحت حقيقة في أكثر من مكان وزمان. صحيح أن الصيت العالمي حالياً هو للحرس الثوري الإيراني، لكن تجارب عديدة سبقت الثورة الإسلامية في ذلك. في أميركا اللاتينية، تعود تجربة كوبا مع الوحدات الرديفة للجيش إلى العام 1960، عندما قررت القيادة الثورية إنشاء «لجان الدفاع عن الثورة». في البداية، اقتصر شُغل هذه اللجان على الدفاع عن الثورة من خلال منع الأنشطة الأمنية المعادية، ورصد التطورات في البلاد. من ثم، تطوّر عملها لتغطي الخدمات الاجتماعية وغيرها.

«رؤية تشافيز والجيش»
تعود فكرة الوحدات الشعبية الفنزويلية، بطابعيها الأمني والعسكري، إلى الرئيس الراحل هوغو تشافيز، الذي أسّسها عام 2007 لتكون صلة الوصل بين الجيش والشعب وتدعم الحرس الوطني وسلاحَي الجو والبحرية. لكن هذه القوات لم تجد نصيباً دستورياً تشريعياً، فيما أكّد مادورو، أثناء خطابه في نيسان/ أبريل الماضي، أنّ «قائدنا تشافيز كان يحلم بقوات دفاع شعبي قوية وعظيمة. ستحصل هذه القوات على وضع دستوري تكون بموجبه جزءاً من القوات المسلحة للبلاد»، وتُصبح بذلك الجهاز الخامس في القوات المسلحة البوليفارية. وربما كان تشافيز يعلم أنّ بلاده ستتعرض لضغوط داخلية وخارجية، لذلك قال إنّ «مهمات القوات الشعبية هو القضاء على أي خطر لتدخل خارجي أو تمرد داخلي».
نهاية الأسبوع الفائت، ووسط التقلبات السياسية التي تعصف ببلدان أميركا اللاتينية، والتوجّه الأميركي إلى إنهاء الحكومات اليسارية فيها، وقفت كاراكاس متحدية القرار الأميركي، وأجرت مناورات مستعرضة قدراتها العسكرية عند الحدود مع كولومبيا، شاركت فيها «الوحدات البوليفارية»، تنفيذاً لرغبة مادورو، الذي كان قد حدّد هدف التدريبات بالاستعداد لأيّ اعتداءات محتملة ضدّ البلاد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

أعلن مادورو أن القوات الشعبية ستحصل على وضع دستوري تكون بموجبه جزءاً من القوات المسلحة


يُلخّص الكاتب الكندي والباحث في شؤون أميركا اللاتينية، أرنولد أوغست، عمل «الوحدات البوليفارية» وكيف تمكّنت من سدّ الثغرات داخل القوات الأمنية، ولا سيّما أنّ «الولايات المتحدة جنّدت الكثير من العملاء وحاولت اختراق الطبقات المُجتمعية للتحريض ضد حكومة مادورو، وبثّ الشائعات وافتعال اقتتال داخلي». ويقول أوغست في حديثه إلى «الأخبار»، إنّ واشنطن «راهنت على انشقاق في الجيش وشراء ذمم وولاءات رجال في الدولة وتجّار، إلا أنّ أجهزة الدولة استطاعت تفكيك المخطط الأميركي وشرحه للجمهور بالأدلّة والخطاب العقلاني». وبالفعل، كشف «رئيس» المعارضة خوان غوايدو أنّ «المعارضة تتفاوض سرّاً مع الجيش ومسؤولين آخرين لعزل مادورو». وقال غوايدو، في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية: «نحن نُجري محادثات مع المسؤولين والمدنيين والجيش (الفنزويلي). هذا موضوع حسّاس للغاية ويتعلّق بالأمن الشخصي، لذلك إنّ هذه المفاوضات تجري في الخفاء وعلى نحو سرّي بالكامل». ويرى أوغست أنّه «حين فشل الانقلاب، عمِلت الاستخبارات الأميركية على تقسيم البلاد بين موالٍ ومعارض، وتجزئة الجيش والدفع باتجاه حرب أهلية، لكنّ وحدات الدفاع الشعبية منعت انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، عبر حماية مقرّات الدولة والمساعدة في تماسك الحكومة والجيش».
يكتسب الجيش الفنزويلي، المكوّن من 515 ألف مقاتل، شرعية وطنية في البلاد، ويُلزَم كل من بلغ الـ18 عاماً بالقيام بالخدمة العسكرية. ويمتلك الجيش إرثا كبيراً في الوعي الشعبي، لا سيّما أنّه أساس التحرّر من الاستعمار الإسباني والبرتغالي لأميركا اللاتينية، بقيادة سيمون بوليفار. لذلك يُعتبر الجهة الوحيدة القادرة على تغيير المسار عند كلّ مفترق طرق داخلي، وهذا ما حصل في انقلابات سنوات 1945 و1948 و1958، ومحاولتَي انقلاب 1992 و2002. وفي المرة الأخيرة (2019)، إنحاز الجيش كلياً إلى جانب مادورو. وكان وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو، واضحاً حين أعلن أنّ الجيش في بلاده يقف خلف الرئيس الشرعي. ونشر تغريدة عبر «تويتر»، بأنّه «نحن جنود الوطن لا نقبل رئيساً يُفرض في ظلال مصالح غامضة. والجيش يُدافع عن دستورنا ويضمن السيادة الوطنية». انطلاقاً من هنا، يشير أرنولد أوغست، إلى أنّ «ولاء الجيش لمادورو كان صفعةً لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب».

«حماية الشعب بالشعب»
تنص المادة 326 من دستور فنزويلا على أنّ «أمن الأمّة يستند إلى المسؤولية المشتركة بين الدولة والمجتمع المدني». وعليه تفاعل المدنيون والعسكريون لمواجهة أي تهديد أميركي. ولو قررت الولايات المتحدة التدخل عسكرياً في فنزويلا، «فستواجه مقاومة شعبية - مدنية - عسكرية» كما يؤكّد أوغست، الذي زار فنزويلا أكثر من مرة. وإضافةً إلى الأهمية العسكرية لـ«الوحدات الشعبية»، فأهميتها السياسية أيضاً مرتفعة. يُبيّن الكاتب الكندي أنّ «أحد الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة وحلفائها في مجموعة ليما (أُنشئت عقب إعلان ليما في 8 أغسطس/آب 2017، حيث اجتمع ممثلو 17 بلداً من أجل إنشاء مخرج للأزمة في فنزويلا) هو تهديد القوات المسلحة. من هنا، توفّر القوات المسلحة الرسمية والوحدات الرديفة المزيد من الثقة وتُعزّز الروح المعنوية للقوات».
يُشبّه أوغست «الوحدات الشعبية» بـ«الباسيج» (تعني التعبئة بالفارسية) الإيراني، التي يعتبرها النموذج الأنجح بين الدول، ويشير إلى أنّ طهران نقلت هذه التجربة إلى أكثر من دولة. «الباسيج»، هي واحدة من القوات الخمس في فيلق حرس الثورة، وتتألف من متطوعين مدنيين شبه عسكريين، وتأسّست بأمر من قائد الثورة الإيرانية الإمام روح الله الخميني عام 1979. كانت مؤسّسة مستقلة منذ إنشائها حتى فبراير/ شباط 1981، عندما قرر البرلمان الإيراني دمجها في الهيكل التنظيمي لحرس الثورة، تماماً كما ستتحول «الوحدات الشعبية» الفنزويلية إلى جزء من مؤسسات الدولة. اليوم، تتكون «الباسيج» من متطوعين إيرانيين، وتعمل كقوة مساعدة تُشارك في أنشطة مثل الأمن الداخلي، والخدمات الاجتماعية، والدفاع في حالة العدوان الخارجي.
يعتبر أوغست أنّ «الثورة الإيرانية كانت شعبية بامتياز. لم تكن انتقالاً من ديكتاتورية الشاه التابع لواشنطن إلى شكل آخر من النظام السياسي الاقتصادي، بل مثّلت اقتلاعاً للدولة القديمة العميقة نحو دولة جديدة. لذلك، كان لا بدّ من إشراك الشعب في حماية ثورته. مثل هذه الثورات تحمل دائماً في أعقابها تسليح المدنيين للدفاع عمّا قاموا به هم أنفسهم. إنّها ميزة شائعة تتجاوز القارات والوقت، وحصل ذلك في كوبا وفيتنام وفلسطين». وفي فنزويلا، انتقل مادورو بـ«الاتحاد المدني - العسكري» الذي طوّره تشافيز إلى مستوى التدريب العسكري والتعبئة السياسية والأيديولوجية للمدنيين، بهدف تحصين الداخل بما يمنع الحرب الأهلية، ومواجهة أي عدوان خارجي محتمل بمقاومة شعبية، وليس كلاسيكية فقط.



«ضدّ الإمبرياليّة... ضد الأوليغارشيّة»
أثناء تهديد واشنطن بالعدوان العسكري ضدّ فنزويلا، أعلن مادورو أنّ قوات الدفاع الشعبي في البلاد ستُصبح جزءاً من القوات المسلحة الفنزويلية. وأكّد أنّه يسعى إلى زيادة عدد عناصر قوات الدفاع الشعبي حتى تبلغ ثلاثة ملايين فرد بحلول كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وهو الأمر الذي تحقّق مع بناء 50 ألف وحدة دفاعية متكاملة. العدد الحالي لهذه القوات وصل الى 3.7 ملايين فرد، أي أكثر من 10% من سكان البلاد، وفق ما أعلن الرئيس الفنزويلي، الإثنين الماضي.
وقبل أيّام، كرر رئيس لجنة السيادة والوحدة في الجمعية الوطنية التأسيسية لفنزويلا، جيراردو ماركيز، الحديث عن تعزيز قانون «القوات المسلحة الوطنية البوليفارية»، وقال إنّ «الهدف هو تعزيز العلاقات المدنية والعسكرية، بالإضافة إلى تزويد البلاد بنظام دفاعي إقليمي جديد، ودمج الوحدات الشعبية البوليفارية كعنصر خاص في القوات المسلحة». وأضاف ماركيز إنه «بعد دخول القانون موضع التنفيذ، تكون فنزويلا قد فتحت الباب أمام شكل جديد من أشكال الدفاع الاستراتيجي القائم على تكامل جميع قطاعات المجتمع».
وسيناقَش دمج «الوحدات الشعبية البوليفارية» كعنصر خاص في القوات المسلحة، في المؤتمر الرابع للمؤسسة السياسية الفنزويلية، والذي سيعقد في نهاية تموز/ يوليو المقبل. وفي هذا السياق، أعلن نائب رئيس الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا (حزب الرئيس نيكولاس مادورو)، ديوسدادو كابيو، أن المندوبين الإقليميين قدّموا مقترحات ستتم مناقشتها خلال المؤتمر الرابع للمنظمة السياسية، لافتاً إلى أن المقترحات ستشمل «الدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها، وتعزيز العلاقة بين الحزب والحكومة من أجل التحوّل الثوري، وبناء النموذج الجديد: الاشتراكية الاقتصادية الإنتاجية كضمان للمساواة الاجتماعية وبناء الاشتراكية البوليفارية». وقال الرئيس مادورو إن «القانون الدستوري الجديد الخاص بالقوات المسلحة سيكون له طابع بوليفاري وشعبي ومناهض للإمبريالية ومناهض للأوليغارشيّة (حكم القلّة)، ويمنح الدولة مزيداً من الأمن». وختم كابيّو بالحديث عن «تشجيع قيام حركة عُظمى لمواجهة حصار حكومة الولايات المتحدة والقوى اليمينية الفنزويلية ضد الشعب».