حتى لحظة كتابة هذا التقرير، أصاب فيروس كورونا الجديد أو «كوفيد ــــ 19» (التسمية التي أطلقتها عليه منظمة الصحة العالمية)، أكثر من 69 ألف شخص حول العالم، 99% منهم في الصين، وقضى على 1671 شخصاً، 4 منهم خارج الصين، بحسب الأرقام الرسمية الصينية وأرقام «الصحة العالمية» و«مركز السيطرة على الأمراض» (CDC). تُقسم تلك الإصابات والوفيات إلى قسمين: قضايا مغلقة وقضايا مفتوحة. بالنسبة إلى الأولى، يبلغ عددها 11554، تَعالج منها 9883 شخصاً خرجوا من المستشفيات، وهم يشكّلون نسبة 86 في المئة منها، أما الـ 14% المتبقية فهي تمثّل أمواتاً عددهم 1671 شخصاً. أما بالنسبة إلى القضايا المفتوحة أو قيد الدراسة، فيبلغ عددها 57735 شخصاً، 80 في المئة منهم، أي 46437 شخصاً، في حالة متوسطة، بينما 20 في المئة أو 11298 شخصاً في حالة حرجة.

كان يوم الأربعاء الماضي أكثر الأيام إثارة للرعب. فبعدما استقرّ عدد الإصابات على 3 آلاف في اليوم الواحد، قفز إلى 15 ألفاً دفعة واحدة، ليعود ويستقرّ على الألفين في الأيام الماضية. ارتفاع مفاجئ عَزَته الصين إلى تحديثها أساليب اكتشاف الفيروس لدى الأشخاص، فضلاً عن قيامها بتعديل طرق عملية الإحصاء. وعلى الرغم من الأمل الذي يبثّه انخفاض عدد الإصابات الجديدة، إلا أن عدد الوفيات مستقرّ على 143 شخصاً في اليوم الواحد، في الوقت الذي تحذر فيه «منظمة الصحة العالمية» من أن «من المستحيل التنبّؤ بكيفية تطوّر انتشار الوباء». ولذا، دعا مدير المنظمة، تيدروس جيبريسوس، في كلمة خلال «مؤتمر ميونيخ للأمن» يوم السبت، «كلّ الحكومات والشركات ووسائل الإعلام إلى العمل معنا من أجل الإبقاء على مستوى التأهب المطلوب، من دون تأجيج الهستيريا»، معرباً عن خشيته من الازدياد المستمر لحالات الإصابة في الصين، في ظلّ «غياب التحرك السريع لتمويل مكافحة الفيروس من قِبَل المجتمع الدولي». في الوقت نفسه، أشادت المنظمة بجهود الصين لاحتواء «كوفيد ــــ 19»، معتبرةً أن بكين «تشتري الوقت للعالم كله، (ولكن) لا نعرف مدى هذا الوقت»، وأنه يتعيّن على الدول الأخرى الاستفادة منه. وفيما يقدّر أحد أبرز الخبراء الصينيين في مكافحة فيروس الالتهاب الرئوي الحادّ «سارس» (2002 ــــ 2003)، تشونغ نانشان، أن الوباء يمكن أن يبلغ ذروته «بحلول نصف شباط أو نهايته»، ترى «الصحة العالمية» أن «من المبكر جداً» إصدار توقعات. ويُفترض أن يكون قد وصل إلى بكين فريق خبراء دولي تابع للمنظمة في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، للقيام بفحوص على الأرض، وإعادة النظر في الإجراءات الوقائية، وزيارة مراكز أبحاث، وإصدار توجيهات لاحتواء الوباء، وفق ما أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة الصينية، مي فينغ.

لا تزال مدينة هوباي مقطوعة عن العالم منذ ثلاثة أسابيع


في غضون ذلك، حذرت مديرة «صندوق النقد الدولي»، كريستالينا جورجييفا، أمس، من أن وباء «كوفيد ــــ 19» قد ينعكس سلباً على نموّ الاقتصاد العالمي في عام 2020، موضحةً أن الأمر يتوقف على قدرة الصين على احتواء انتشاره. وقالت جورجييفا، خلال منتدى في دبي، إن «توقعاتنا في الوقت الحاضر تبلغ 3.3%، وقد يحصل تخفيض بمقدار 0.1 أو 0.2%» مضيفة «إنها حالة خاصة، وأحضّ الجميع على عدم استخلاص عِبَر متسرّعة». وأشارت إلى «هناك الكثير من العناصر الغامضة، نتحدّث هنا عن سيناريوات وليس عن توقعات. بإمكانكم طرح السؤال عليّ مجدداً بعد عشرة أيام». وإذ لفتت إلى أن الوقت لا يزال «مبكراً» لتقييم تأثير الوباء، فقد أقرّت بأن قطاعات عدة، من ضمنها السياحة والنقل، باتت تعاني من تبعات انتشار «كوفيد ــــ 19».
على المقلب الصيني، وفي حين لا تزال مدينة هوباي مقطوعة عن العالم منذ ثلاثة أسابيع، تفرض مدن عدة في شرق البلاد إجراءات عزل صارمة. أما بكين، فهي تشدّد بدورها قيودها لمنع انتشار الفيروس؛ إذ باتت العاصمة تُرغِم كلّ الأشخاص الذي يصلون من الخارج على الخضوع للحجر الصحي لمدة 14 يوماً في منازلهم أو في فندق تحت طائلة فرض عقوبات عليهم، وفق ما أفادت به صحيفة «بكين ديلي» الرسمية. وفي الوقت الذي تفرض فيه الكثير من الشركات على موظفيها العمل من المنزل، تبدو الحركة في المدينة مشلولة إلى حدّ كبير. وكان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد نبّه، يوم الجمعة الماضي، إلى أن مواجهة الوباء تشكّل «اختباراً كبيراً للمنظومة في البلاد والقدرة على الحكم». وقال، خلال اجتماع لـ«الحزب الشيوعي الصيني»، إن الوباء كشف عن «أوجه قصور»، داعياً إلى تحسين النظام الصحي الوطني. وفي اليوم التالي (السبت)، أصدر البنك المركزي الصيني قراراً بتعقيم الأوراق النقدية قيد التداول عبر وضعها في الحجر لمدة 14 يوماً، قبل أن يُعاد وضعها في التداول.
بالنتيجة، يمكن القول إن الدولة الصينية، في مكافحتها الوباء، تقاتل على جبهات ثلاث: فهي أولاً تحمي مواطنيها الأصحّاء من انتقال العدوى إليهم عبر إغلاق المدن وحصر السكان المصابين في أماكن معينة، وتنكبّ ثانياً بكلّ خبرائها وطواقمها الطبية على معالجة المصابين ومحاولة شفائهم مع تواصل دراسة الفيروس في محاولة لإيجاد علاج سريع له، وثالثاً تحمي البشرية من العدوى، وذلك على حساب اقتصادها، فيما العالم كلّه يشاهد عبر الشاشات، والعلاج لا يزال بعيداً.